ومن ينقذنا من الإرهاب المسيحي المتطرف وإعلامه المنافق؟

|
شن الغرب المسيحي على الشرق العربي والإسلامي حربا شعواء وأنزل في أمصار العرب والمسلمين الجيوش الغازية المدججة بأفتك الأسلحة واقترف أعمالا إرهابية أفظع بكثير مما اقترفته وتقترفه المنظمات الإرهابية التي يدعي محاربتها. واشتعلت هذه الحرب المدمرة قبل أكثر من عقد وما زالت أوزارها مستمرة لحد اليوم. والحرب هذه التي دمرت ثلاثة بلدان إسلامية حتى الآن هي العراق وأفغانستان وفلسطين كان لها من يؤيدها من الكتاب والصحفيين في الغرب والشرق وصار فيها العربي والمسلم مثار شبهة. ودخل الإعلام في ساحة المعركة غير المتكافئة هذه مناصرو الغرب المسيحي الظالم، وأخذ الكتاب والصحفيون ينسجون قصصا خرافية عن الإسلام والعروبة درجة أن أي تصريح معاد للإسلام حتى من محلل مغمور يأخذ حيزا بارزا على الصفحات الأولى في أمهات الجرائد الغربية. والحرب العسكرية والإعلامية هذه، التي هدفها الرئيس الإسلام والعروبة، لم يقتصر وقود ماكينتها على الغرب فقط. وهنا المأساة. دخل فيها العرب وإعلامهم من أوسع الأبواب وساهموا مساهمة جادة في إعلاء شأن الظالمين من أعدائهم وانتقاص لا بل محاصرة ومقاتلة إخوانهم المظلومين. ولأن النظم العربية والإسلامية غارقة في الحفاظ على وجودها وحسب، ترنحت هي الأخرى ومعها شعوبها أمام ضربات الغرب المسيحي درجة أن بعض الأنظمة لا بل أغلبها سمح للغربيين التدخل حتى في كتابة المناهج الدراسية كي توائم التوجهات الغربية. وصار العالم ومعه الكثير من أصحاب الشأن من العرب والمسلمين يروجون لأسطوانة مشروخة مفادها أن العنف والإرهاب متأصل في العروبة والإسلام ولا بد من إدخال تغييرات جذرية على الثقافة والتربية المتعلقة بهما. لأكثر من عقد يعيش العالم على أنغام هذه الأسطوانة ويصفق لها ويرقص معها. ولم يكن بإمكان أي كاتب أو مثقف إيقاف تشغيلها أو حتى التخفيف من صداها. وهكذا عندما اقترف الإرهابي المسيحي، النرويجي أندرس بريفيك، عمله الشنيع بقتل العشرات من المدنيين، سارع المحللون الغربيون وإعلامهم ومعهم الكثير من العرب ومحطاتهم الإذاعية والتلفزيونية ومن دون وجود أي دليل مادي لتوجيه أصبع الاتهام صوب العرب والمسلمين لا بل انتظر بعضهم، وبلهفة شديدة، الحصول على السبق الصحفي المتمثل في تسجيل صوتي أو شريط فيديو يظهر مسلما ملتحيا، أسود العينين وأسمر الجبهة يحمل المصحف بيد والرشاشة بيد أخرى وقد شد وسطه بمواد متفجرة. وبعض هؤلاء لم ينتظر انقشاع الغيوم الكثيفة عن الحادث حتى صار ينقل عن محللين أن أصابع الإرهاب الإسلامي واضحة في الهجوم الرهيب هذا. لا أعلم ماذا كانت ردة فعل هؤلاء عندما ظهر المحققون النرويجيون، المشهود لهم بالنزاهة، وهم يمطون اللثام عن الأصابع الخفية التي كانت وراء الحادث؟ لا أعلم مقدار الإحباط الذي أصابهم عندما شاهدوا صورة الرجل ذي العينين الزرقاوين والشعر الأشقر والوجه الأملس، وهو يحمل سلاحه الفتاك بيده وشارة الصليب الحمراء بجانبه. وما إن انتشر الخبر حتى بدأ الإعلام وأصحاب الشأن في الغرب في تغيير بوصلة الحادث ونغمة الأسطوانة. إن كان المجرم عربيا أو مسلما لكانوا حتى اليوم يكتبون عن عنف الإسلام وإرهابية أتباعه. ولكن لأنه مسيحي غربي لم نر حتى الآن أي إدانة لقومه أو دينه أو منظمته والمنظمات التي عمل لمصلحتها، ولم نلحظ أي إجراء مثل العقوبات الاقتصادية وغيرها لتجفيف منابع المنظمات الإرهابية التي ينتمي إليها، ولم نسمع أنه سيعاد النظر في المناهج التعليمية الغربية، وفي الآيات العنيفة التي تحتويها الكتب المسيحية. الإرهابي المسيحي النرويجي جزء من التطرف المسيحي في الغرب، ولا سيما في الولايات المتحدة. وهو جزء لا يتجزأ من المنظمات المسيحية الإرهابية التي تفسر الكتب المسيحية بعهديها القديم والجديد تفسيرا حرفيا خارج نطاق الزمان والمكان وخارج سياق النص وبيئته الاجتماعية. وقد أمضيت نهارا ثقيلا وأنا أتصفح الكتاب (لا بل الكتب) التي ألفها الإرهابي هذا ووضعها على الشبكة العنقودية قبل اقترافه جريمته الكبرى. الكتاب يقع في أكثر من 1.500 صفحة تحتوي على أكثر من 770.000 كلمة. الإرهابي هذا متشبع بأفكار اليمين المسيحي المتطرف الذي يؤيد إسرائيل والأعمال الشنيعة التي تقترفها ضد الفلسطينيين. في كتابه، الذي ممكن اعتباره منيفستو (إعلان) يتضمن أدبيات اليمين المسيحي المتطرف، يغدق هذا الإرهابي المديح على إسرائيل والصهيونية ويذكرهما مئات المرات بينما يهاجم بلد الحرمين بأقسى العبارات. ماذا كان سيحدث لو كان الإرهابي هذا عربيا ومسلما وذكر بلدا عربيا أو مسلما هكذا مرات وخصه بهكذا مديح؟ ربما سيحولونه إلى مجنون في المحاكمة، لأن محاكمته ستكون محاكمة لليمين المسيحي المتطرف وإرهابيته، ولا أعتقد أن اليمين المسيحي بما يمتلكه من سطوة وسلطة مالية وإعلامية سيقبل تشويه سمعة كهذه. هذا الرجل المسيحي الإرهابي ليس رجلا عاديا، إنه يعرف ما يكتب وما يعمل فكتابه يشير إلى شخص متضلع في التاريخ والفلسفة وعلوم الاجتماع وعلم النفس والأديان. يضع خطة جهنمية لأتباعه ويحثهم على تنفيذها ويضع تفاصيل كثيرة في كيفية تطبيقها ولها سقف زمني. يقتبس من القرآن والحديث بكثرة ويكتب عن التاريخ الإسلامي رغم أن ما ينقله غير أمين، ويشير إلى وجهة نظره القاصرة وهي ذات وجهة النظر التي يتبناها اليمين المسيحي المتطرف. يوسم كتاب المسلمين ونبيهم وتاريخهم بالعنف والإرهاب درجة أنه يدعو إلى الخلاص منهم. ولكن، كما هو شأن كل المتطرفين والإرهابيين من أي دين أو مذهب أو ملة كانوا، يقع في الفخ الخطابي الذي نصبه لغيره. خطته الجهنمية المبنية على القضاء على المسلمين تستند إلى آيات واقتباسات عنيفة وغير إنسانية من الكتب المسيحية بعهديها القديم والجديد. وإلى اللقاء.
إنشرها