بين سعة الخيال وصفاء التفكير.. فرص كبرى للنجاح (3 من 3)

|
دعني عزيزي القارئ أبدأ معك بربط مقالاتي السابقة حول الخيال والتفكير الإبداعي مع بعضها ثم أختمها بهذا المقال وأوضح علاقتها بواقعنا الإداري والتنموي في العالم العربي عموماً. إن المتأمل في واقعنا التنموي يجد كثيرا من القرارات التنموية في وزاراتنا وإداراتنا الحكومية إنما تنبع من أفكار فردية لأصحاب السلطة فيها تتسم بالتسرع والبعد الكبير عن الإبداع، وما ذاك إلا بسبب تغييب مشاركة بقية منسوبي تلك الوزارات عن المشاركة بآرائهم وطرح أفكارهم التي قد تعكس كثيرا من الخبرة وأحياناً الإبداع والتميز في نمط التفكير، هذا فضلاً عن تغييب حتى أفكار المستشارين لكثير من هؤلاء المسؤولين، وهذا واضح في تعثر كثير من المشاريع الحكومية التنموية لتطوير التعليم أو لتطوير البنى التحتية، زد عليها عدم البدء أصلاً في مشاريع شديدة الأهمية تراوح بين أدراج الشركات الاستشارية وأولئك المسؤولين منذ سنوات ولم تر النور مثل قطارات المدن المتضخمة والمكتظة بالزحام! كما يظهر ذلك جلياً أيضاً في تلك القرارات التي تصدر في أسبوع ثم تُلغى في الأسبوع الذي يليه أو تُهمش ولا تُطبق أو تُلغى بمجرد تغيير المدير أو الوزير. إن النجاح والتميز في الدراسة أو في العمل في هذا العصر خاصة يتطلب منك أن تفكر بطريقة غير نمطية، تفكيراً إبداعياً Creative Thinking، يجب أن تخرج نفسك من صندوق التفكير النمطي شديد العقلانية والإحباط المغلف بلباس الواقعية لتقنع نفسك بأنه ليس كل ما نراه مستحيلاً هو حتماً مستحيل، فكثير من المستحيلات في الماضي تحقق وكثير من المستحيلات في الحاضر سيتحقق مستقبلاً - بإذن الله - لأن نظرة الناس لها ستتطور وستختلف، والمبدعون والمخترعون ما هم إلا أشخاص يسبقون عصرهم في تلك النظرة وأسلوب التفكير حول تلك الأشياء - من كان يصدق أن الإنسان سيطير ولساعات وبسرعة تفوق الصوت؟! إن الاكتشافات تنتج من التجربة والعمل المضني في المعامل ومراكز الأبحاث، لكن ما يدفع إلى ذلك ويشجع عليه هو سعة الخيال والقدرة على تصور ما لا وجود له في الواقع بهدف ابتكار أو اختراع أو اكتشاف ما هو جديد. ثم إن الأخلاق التي تكلمت عنها في المقالين السابقين التي تركز على عدم التسرع في إطلاق الأحكام على الأشخاص لمجرد أشكالهم أو المواقف بمجرد وقوعها أو سرعة قراءة النتائج لما يواجهنا أو يواجه غيرنا من أحداث، إنما هي مما يُوّسع مجال الخيال ويُساعد على صفاء التفكير. هناك منهجيات رائعة تساعد كثيراً على البحث عن الحلول لما يواجهنا من مشكلات أو الوصول إلى التميز في تطوير ما لدينا من منتجات، ومن أهم تلك المنهجيات ما يعتمد على مشاركة الآخرين في قراءة الحالة وتحليلها ومناقشتها ومناقشة كل الأفكار التفصيلية التي يطرحها المشاركون في ثناياها، ومن ذلك منهجية العصف الذهني أو الفكري Brains Storming، فما هذه المنهجية وما مبادئها؟ العصف الذهني: هو أسلوب أو منهج يعتمد على مجموعة من الأشخاص لتوليد عدد كبير من الأفكار الموجهة لحل مشكلة معينة أو تطوير خدمة أو منهج أو منتج (ويكبيديا)، ويتميز هذا النمط أو الأسلوب بما يلي: ــ إعطاء الفرصة والوقت الكافي لتمحيص كل الخيارات والحلول الممكنة وغير الممكنة. ــ توليد أفكار جديدة لم تكن في الحسبان. ــ الأفكار المستحيلة أو حتى الساذجة قد تكون مفاتيح لأفكار عبقرية ورائعة. ــ التفكير الجماعي وجمع القدرات العقلية مع الخبرات والمعارف وتوجيه طاقاتها مجتمعة لإيجاد الحلول للمشكلة نفسها. وكثير من المبدعين أمثال عالم الفيزياء آينشتاين Einstein يعتمدون على هذا المنهج (موقع Creative Thinking)، كما أن كثيرا من مراكز الأبحاث وكبريات الشركات والجامعات العالمية تعتمد عليه أيضاً في البحث عن الحلول وفي توليد الأفكار الجديدة، وهو أحد المبادئ اليونانية القديمة في الحوار، التي اعتمد الفيلسوف سقراط Socrates سبعة مبادئ لها هي: ــ أقم الحوارEstablish .dialogue ــ تبادل الأفكار Exchange.ideas ــ لا تجادل Don't argue ــ لا تقاطع Don't interrupt ــ استمع جيداً Listen carefully ــ وضح أفكارك Clarify your thinking ــ كن صادقا Be honest ختاماً، إن سر التفوق الغربي علينا في مجالات التقنية والإدارة والنظام هو اعتقادهم دوماً بأن ''كل شيء قابل للتطبيق ما لم يرد الدليل القاطع باستحالته''، لذا فهم بعد تأكدهم من جدواه يبدأون في تحليله والبحث عن الحلول لكل المعوقات المحتملة أثناء تنفيذه ثم يضعون الخطط ويبدأون التنفيذ، أما نحن ففي معظم الحالات نعتقد ''أن كل شيء مستحيل ما لم يرد الدليل القاطع بقابليته للتنفيذ''، ثم نقف عند هذا الحد دون البحث عن تلك الأدلة أو التفكير في إمكانية التطبيق، وقد يتم استهلاك الوقت في مناقشة إحدى السلبيات أو المعوقات مع التشبث بالآراء الشخصية حيالها. ولعل من الأمثلة المضحكة المبكية النقاشات المتكررة منذ سنوات حول جدوى النقل العام في المدن السعودية! فما الذي يجعلها لا تُجدي عندنا وهي توفر المليارات وتحقن الدماء وتساعد على انسياب الحركة وتقلل من انبعاثات الغازات الملوثة للهواء في كثير من بلدان العالم حولنا - الغنية والفقيرة - التي يعيش بيننا من أهلها أكثر من تسعة ملايين إنسان؟ إن هذه المنهجيات وتلك المبادئ أو الأخلاق لن تفيد الشخص ما لم يكن مستعداً لتقبل الحق حينما يأتي من غيره، ويكون مستعداً للتنازل عن رأيه أو الاعتراف بخطئه، معتقداً دوماً أن ''رأيه صواب يحتمل الخطأ ورأي الآخرين خطأ يحتمل الصواب''. ودمتم بخير وسعادة.
إنشرها