على غير المتوقع جاءتني ردود واتصالات كثيرة على مقالي السابق (قوائم مالية حسب الطلب..!!) وقد كانت معظم تلك التعقيبات والردود من زملاء في المهنة وبعض الأفاضل المحاسبين القانونيين، وبعض هذه الردود كانوا ينكرون على ما كنت قد ذكرته وأخبرت بوجوده من وجود تلك القوائم المالية حسب الطلب أو قوائم مالية طبقا لرغبة أصحاب الشركات أو مجالس إدارة بعض الشركات!.
ولعل السبب الرئيس لهذا العتاب ولتلك ردود الأفعال الغاضبة ممن يعتبرون زملاء المهنة – واسعى مثلهم – في الحصول على قوائم مالية تعبر بصدق وعدالة عن المراكز المالية للشركات وخاصة تلك المدرجة في أسواق المال ببلادنا النامية وعالمنا العربي .. أقول أن سبب هذه الردود الغاضبة أو المعاتبة في بعض الأحوال أنهم ظنوا أن ما أخبرت به هو من باب الإقرار!.
فأقول لهم – حاشا وكلا – وإنما كان من باب الاستنكار على وجود بعض هذه القوائم المالية التي لا تعبر عن المركز المالي للشركة بصدق وعدالة أو يوجد بها تلاعب أو شبهة تلاعب لتحقيق مصالح قلة قليلة من أصحاب المصلحة – أيما كانوا – على حساب الكثرة الغافلة من المساهمين أو المستثمرين والتي يؤدى هذا التلاعب بهم إلى الإضرار بمصالحهم والإضرار بمدخراتهم واستثماراتهم بل وتعريضها للضياع!.
إننا نسعى جميعا في الأسواق المالية لقوائم مالية حقيقية تعطى الأسواق قوة وعمقا – نستطيع جميعنا – أن نتخذ القرارات الاستثمارية بناء على مصداقيتها وشفافيتها .. ولا يتأتى ذلك إلا بوجود عدة أمور منها :
- وجود الإدارة صاحبة المصداقية لعمل قوائم مالية صادقة ومعبرة.
- وجود محاسبين قانونيين جادين ولا يشترون من قبل مجلس الإدارة أو أصحاب الشركات بالإضافة إلى المهنية العالية التي تحكم عملهم.
- وجود الهيئات المهنية التي تتابع عمل هؤلاء المحاسبين وتستوثق من إتباعهم المعايير المهنية الملزمة والقواعد والإجراءات الواضحة في عملهم ولا يفوتنا أن ننوه ونثمن الدور المهني الجاد والهام الذي تقوم به الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين وخاصة في إحكام الرقابة على المحاسبين القانونيين ممن يراجعون الشركات المساهمة ويتعاظم هذا الدور المهني مع الوقت حتى صار المحاسبون لا يتساهلون مع تلك الشركات المساهمة والتي عرف عنها التلاعب أو على الأقل التساهل في المعايير المهنية للمحاسبة والمراجعة.
- وجود هيئات رقابية وتنظيمية فاعلة مثل هيئة سوق المال تضع الضوابط والإجراءات التي تضبط إيقاع أسواق المال وتمنع وجود التلاعب أو الاحتيال.
- وجود عقوبات رادعة وسريعة على من يثبت تلاعبه أو تواطئه حيث نلاحظ أن ضعف العقوبات يؤدى بالكثيرين إلى الاستهانة بها والإقدام على المخالفة. كما أن سرعة العقوبة ضرورة هامة لان البطء في العقوبة يؤدى إلى الاستهانة بها كذلك وعدم زجرها لمرتكبها وحبذا لو كان هناك تشهير لمرتكب المخالفة ليكون عبرة لمن يعتبر.
- ولعل من أهم الأمور التي ينبغي عدم إغفالها هو البيئة الاستثمارية التي تعمل فيها سوق المال ينبغي أن تكون بيئة ايجابية تظهر فيها مبادئ الشفافية والإفصاح وتسيطر عليها الحوكمة وهما مبادئ ذات أهمية قصوى لخلق بيئة مناسبة.
لعل الإخوة الذين عاتبوني قد أزلت بعضا من عتابهم وأوضحت الصورة التي كانت خافية أو ملتبسة عليهم فأنا منهم أتكلم بلغتهم وأسير على طريقهم وطريقتهم! ، ولا يمكن أن أكون ممن يدافعون عن الخطأ أو الاستهانة به.
بل أن واجبنا جميعا لخلق أسواق مالية شفافة وحقيقية هو وجود قوائم مالية معبرة بصدق وعدالة عن المراكز المالية للشركات .. وهى الخطوة الأولى نحو الوصول للأسواق المالية القوية. أن وجود هذه القوائم المالية المعبرة بصدق وعدالة.. هو هدفنا جميعا، ولكن يبقى الود ما بقى العتاب.. فعذرا زملاء المهنة!.
محاسب قانوني ومستشار مالي
زميل المعهد الأمريكي للمستشارين الماليين
زميل المعهد الأمريكي للرقابة الداخلية
Ph.D, MBA, CFC, CFA, CPM, MFM, CICA, CRA
