بعد انفجار الثورات العربية واتساع رقعتها.. عاد أولئك الذين يسكنون في خيمة الشعار القومي الشاعري للظهور عبر وسائل الإعلام محتفلين بهذه الثورات، على أنها صحوة قومية تصدى لها الشباب العربي لإحياء ما اندثر منها عبر ما يزيد على أربعة عقود، رافعين الصور ذاتها، والشعارات ذاتها التي كانت تتردد في أوائل الخمسينيات والستينيات الميلادية، وهو ما لا ينسجم مع حقيقة هذه الثورات التي قامت في معظمها على أكتاف استحقاقات مطلبية تتصل بالاقتصاد والحريات المدنية أكثر مما تتصل بالشعار القومي، وهذا يعني استحالة توصيف هذه الثورات بأوصاف الثورات نفسها التي قادها العسكر ذات يوم من تاريخنا العربي، حتى وإن أخذت طابعا قوميا في بعض ملامحها، فالثورات السابقة اتخذت من الشعار القومي السياسي المجرد مبرراً لمشروعيتها.. في حين أن هذه الثورات حتى وإن كان بعضها يحاول المقاربة مع الشعار القومي.. فإنها لا بد أن تجد نفسها في سياق قومية ذات طابع اقتصادي، فالشباب العربي الذي تعلّم وانكفأ بشهاداته على رصيف البطالة، وضيق فرص العمل.. يدرك من واقع قراءة تاريخ تلك الثورات أن محددات الانتماء السياسي الممهور بالشعارات لن تخلق أوطانا قادرة على استيعاب أبنائها، ولن تؤسس لحياة يشعر المرء فيها بما يكفي للاعتزاز بهذه القومية أو تلك، ولن يكون بالتالي في مقدوره أن يدافع عن قضايا أمته وهو واهن العظم اقتصاديا.. في زمن ما عاد يتسع إلا للأقوياء بذاتهم وبقدرات أوطانهم، وقوة اقتصاداتها، وفاعلية خطواتها التنموية، وهذا ما جعل هذه الثورات الشعبية تبدأ بالرغيف أولا صعودا إلى الحرية.. قبل أن تكتشف أنها مطالبة بتغيير تلك الأنظمة التي عجزت عن تحقيق متطلبات التنمية فيها بما يكفل عزة تلك الشعوب وكرامتها.
التاريخ لن يعيد نفسه، ولذلك على مَن يريد أن يبعث الشعور القومي في هذه الانتفاضات ألا يبعده عن محور الاقتصاد الضامن الوحيد للقوة القومية، خاصة أنه لا يتناقض معها، قدر ما يتمها ويمنحها القدرة والقوة.. أما ما تم في الماضي خلف أناشيد التأجيج الشعبي، والتعبئة العاطفية لمشاعر الجماهير.. فإنه لن يؤكل عيشا، ولن يحقق لا عزة قطرية ولا قومية، وإنما سيبقى كالسراب الذي يحسبه الظمآن ماء.. والتجربة العربية خير شاهد على هذا، لأن ضمانات العزة بالقومية أو الوطنية لن تتحقق إلا لجسد اجتماعي قوي باقتصاده وثرواته البشرية والعلمية والمادية، وتضامنه مع أشقائه.
أحلام الوحدة العربية.. هي أحلام جميلة لا شك في الوجدان العربي، جميلة في شاعريتها، وفي ملامستها تلك الأحلام التاريخية البعيدة التي تذوب فيها الحدود والمسافات.. لكن استغلالها مجردة من عناصر القوة الاقتصادية.. هي بمثابة بناء منزل من القش أو قصر من الرمال على ضفاف البحر.. وهي إن تمت على هذا النحو فإنها لن تلبث أن تتآكل وتذوي وتذوب لأنها تحمل عوامل فنائها من الداخل، وهذا ما يستدعي التوقف عند هذه النغمة القومية التي تريد أن تعيد الأذهان العربية إلى تلك الحقبة التي طغى فيها الشعار القومي السياسي على عملية البناء الحقيقي لجسد قومي عربي قوي يستمد قوته من قوة بنائه وتنميته واقتصاده، بما يكفل لهذه الأمة في مختلف أطرافها موقعا لائقا تحت الشمس وبين الأمم.
أما من يحلم باسترداد تلك النغمات القومية المجردة التي عصفت بكثير من البلدان العربية، وصرفتها عن بناء قواعد التنمية في أوطانها، ويحاول عبثا أن يستنسخ الشعار ذاته مجددا في هذه الانتفاضات.. فعليه أن يعيد النظر أولا في روزنامة التوقيت ليكتشف أن الزمن ما عاد يستوعب تلك المفردات التي تضمن السلطة لبعض الطامحين في الوصول إليها باسم هوية القومية وكفى.. قدر ما يستوعب مفردات البناء.. بناء الإنسان، وبناء الحضارة، ليضع بالتالي ما يشاء من العناوين لمنجزاته، طالما وضع لوطنه وأمته شيئا من مصادر القوة والعزة والمنعة على أرض الواقع.
