بين سعة الخيال وصفاء التفكير.. فرص كبرى للنجاح (2 من 3)

|
بعد أن أكدت لكم في مقال ''الخيال ضرب من الجنون أم مطية لتحقيق المستحيل؟'' أن الخيال الواسع وإن كان جامحا أو تلبسا بالمستحيل أمام أغلب الناس ما هو إلا منبع حقيقي لتوليد الأفكار الرائعة والإبداع في ترجمتها إلى واقع ملموس أو تصويرها بشكل مُبهر، ثم تطرقت في حديث مختصر إلى بعض الآداب والأخلاق النبيلة التي تساعد في تهيئة النفس وصفاء التفكير، فدعنا هنا في هذا المقال نتأمل في بعض من أهم أدوات الإدراك و التفكير (حدودها، وطرق تفعيلها)؛ إذ يمكن تصنيفها في هذين النوعين: - الحواس الخمس (البصر، اللمس، السمع، الشم، الذوق)، وهذه كلها محدودة ويمكن أن تخطئ في تقديراتها، فالبصر محدود ويمكن أن يرى ما لا حقيقة له مثل انكسار القلم في كأس الماء والسراب في الصحراء، واللمس يتأثر بدرجات الحرارة، والسمع يتأثر بالضجيج، والشم يتأثر بالزكام أو تداخل الروائح مع بعضها، والذوق يتأثر بالزكام وبعض الأمراض. - العقل والذكاء (مع الفراسة أحيانا) هي منبع الأفكار والأحكام والحلول، وهي تعتمد في أكثر الأحيان على ما يصلها عبر الحواس الخمس، كما أن نتائجها أيضا تتأثر كثيرا بالعوامل الحسية والنفسية المحيطة بالإنسان فتخطئ التقدير. ومن هنا يتيه كل إنسان يحصر فهمه ومعارفه في حدود هذه الأدوات ويربط إيمانه بها فلا يؤمن إلا بما يُحس ويرى ويفهم، ولعل بعض من أبيات الشاعر المعروف ''إيليا أبو ماضي'' توضح ذلك جليا: جئـت لا أعلـم مـن أيـن ولكنـي أتيـت ولقـد أبصرت قدامـي طريقـا فمضيت وسأبقى ماشيا إن شئت هـذا أم أبيـت كيـف جئـت؟ كيـف أبصـرت طريقي؟ لست أدري! ليت شعري وأنا في عالم الغيب الأمين أترانـي كنـت أدري أننـي فـي هدفـيـن وبأنـي سـوف أبـدو وبـأنـي سـأكـون أم تـرانــي كـنــت لا أدرك شـيـئـا؟ لست أدري! أترانـي قبلمـا أصبحـت إنسانـا سـويـا أتراني كنت محوا أم تراني كنت شيئا ألهـذا اللغـز حــل أم سيبـقـى أبـديـا لسـت أدري.. ولمـاذا لـسـت أدري؟ لست أدري! وستظل هذه الأسئلة وغيرها تتكرر في خاطر كل إنسان، فإما أن يتشاغل أو يُشغل نفسه عنها باللهو واللعب أو شرب الخمور أو المخدرات كما وصف الشاعر المعروف ''عمر الخيام'' في بعض أبياته: أحس في نفسي دبيب الفنــــاء ولم أصب في العيش إلا الشقاء يا حسرتــــــــا إن حان حيني ولم يُتح لفكـــري حـل لغـز القضاء سمعت في حلمي صــــوتا أهــاب ما فتق النـــوم كمام الشبـــــاب أفق فــــإن النوم صنـــــو الــردى واشـرب فمثواك فراش التراب ***** لَبســــتُ ثوبَ العـيش لم أُستشَر وحِــرتُ فيه بين شتّى الفِكـــَر وسوفَ أنضـــو الثوب عنّــي ولم أُدرك لمـاذا جئتُ، أيـن المقر؟ وإما أن يستفيد من كل الأدوات المتوفرة والأدلة الظاهرة والباطنة التي تدله على الطريق لأفضل النتائج وأرشدها، فكما أن أجهزة الكشف الحديثة توصلك لأدق النتائج التي لا يمكن أن تدركها بعقلك وحواسك المجردة في مجالات العلوم المادية والتجريبية، وكذلك الوحي الإلهي ممثلا في القرآن الكريم يدلك على أمور الغيبيات التي لا يمكن لعقلك وحواسك المجردة أن تدركها، وإنما أنت في هذه الحالة تستطيع من خلال التفكير العميق والتأمل في معجزات هذا القرآن ولغته الفريدة أن تدرك يقينا أنه حق وأنه كلام رب العالمين، والاستدلال على الأمور بآثارها عين الحكمة، وما عظم هذا الكون ودقة صنعه وتكامل نسقه بهذا الشكل المبهر إلا آيات وأي آيات لأصحاب العقول بالرشد في إعمار دنياهم والفوز في أُخراهم، هذا ما أدركه قس بن ساعدة الأيادي أحد الخطباء الذين كانوا يدينون بالتوحيد قبل البعثة حينما خطب في سوق عكاظ قائلا: (أيها الناس اسمعوا وعوا من عاش مات ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزخر، وجبال مرساة، وأرض مدحاة، وأنهار مجراه، إن في السماء لخبرا وإن في الأرض لعبرا ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون أرضوا بالمقام فأقاموا؟ أم تُرِكوا هناك فناموا؟ ُيقسِم قس ٌ في الله قسماً لا إثم فيه، أن لله دينا هو أرضى لكم وأفضل)، وأعظم من هذا قول الله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الألْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَات ِوَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(191) سورة آل عمران، وقد جاء عن النبي عليه السلام قوله بعد ما أنزلت عليه هذه الآيات: ''ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها''، وفي المقال القادم لنا وقفات مع منهجيات التفكير الإبداعي - إن شاء الله. ودمتم بخير وسعادة،،،
إنشرها