بين سعة الخيال وصفاء التفكير.. فرص كبرى للنجاح (1 من 3)

|
كان حديثي في المقال السابق بعنوان ''الخيال ضرب من الجنون أم مطية لتحقيق المستحيل؟''، وفيه برهنت على أن الخيال الواسع وإن كان جامحاً أو تلبس بالمستحيل أمام أغلب الناس ما هو إلا منبع حقيقي لتوليد الأفكار الرائعة والإبداع في ترجمتها إلى واقع ملموس أو تصويرها بشكل مُبهر، إلا أن القدرة على الوصول إلى هذا المستوى من صفاء الفكر وسعة الخيال ثم الإبداع في استثماره لتحقيق النجاح المتميز يحتاج منا إلى التحلي ببعض الآداب والأخلاق النبيلة في التفكير، وقبل الحكم على الناس أو المواقف التي تقابلنا في ثنايا الحياة، كما نحتاج مع هذا لمعرفة حدود أدواتنا التي نمتلكها، وطرق تفعيلها بشكل يزيد من فاعليتها، وأخيراً نحتاج لمعرفة بعض المنهجيات المفيدة والبسيطة لتوليد الأفكار المميزة وتعزيز مهارات توقع الصعوبات قبل حدوثها وتحليل المشاكل واستنباط أسبابها وأفضل الطرق لحلها، ذلك من شأنه أن يجعل حياتك عموماً تتطور وتتحسن باستمرار، بإذن الله، والكلام في هذا السياق يطول، مما يحدوني لطرحه بين أيديكم في ثلاثة أجزاء، أبدأها في هذا المقال بتوضيح بعض الآداب والأخلاق النبيلة التي من شأنها تصفية الذهن وتنقية الأفكار: أولاً: لا تتسرع في الحكم على الأشخاص بناء على مواقف عابرة قبل أن تعطي نفسك الوقت لتحليل تلك المواقف بتعقل بعيداً عن التشنج وتحكيم العاطفة ولو بعد أن تهدأ نفسك من صدمة ذلك الموقف، وصلتني عبر بريدي الإلكتروني قصة قصيرة تناسب هذا السياق، مفادها أن طفلاً دخل أحد المطاعم المزدحمة فجلس فأحضرت له النادلة كأس ماء ثم سألته عن طلبه، فسألها بعد أن استعرض لائحة الطعام بكم الآيس كريم مع الشوكولاتة فردت عليه بخمسة دراهم ثم أعاد النظر في اللائحة، وقال ودون شوكولاتة، فردت بجفوة وهي مستعجلة بأربعة فقال أريد واحدا، ثم بعد أن انتهى من أكله ودفع الحساب جاءت إلى طاولته لتمسحها وفي ذهول اغرورقت عيناها بالدموع بعد أن وجدت الطفل قد ترك لها درهماً ــــ بخشيش ـــ على الطاولة، وما أجمل أن تتلمس الأعذار لأحبابك وأعز أصدقائك قبل أن تحاكمهم، فنقاء النفس وغزارة الحب في نفسك للآخرين يمنحك بدوره صفاء للعقل لا يعقله إلا المتسامحين. ثانياً: لا تتسرع في الحكم على الأشخاص أو الأشياء بناء على الشكل، فهناك من قد تزدري صغر جسمه وهو بقوة عفريت والعكس، وهناك من شكله دميم ولكن خُلقه حميد وعلمه غزير يُحبب الناس فيه فيرونه كالملاك يمشي بينهم، يُقال إن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، رغب في أن يرى ''كُثَيَّـر عـزَّة'' ـــ الشاعر الشهير ـــ وبعد طول بحث أُحضر إلى مجلس الأمير فاستأذن بالدخول فأذن له الأمير بعد أن تهيأ هو وجلساؤه للقاء هذا الشاعر الفحل، فلما دخل فإذا به صغير البنية، قصير القامة، دميم الوجه، ذو ملابس رثة! وبعد السلام قال الأمير: ''تسمع بالمُعيدي خيرٌ من أن تراه!!'' ــــ فأصبحت مثلاً ــــ فقال كُثَيَّـر عـزَّة: مهلاً يا أمير المؤمنين، فإنما الرجل بأصغريه، قلبهِ ولسانه، فإن نطق نطق ببيان، وإن قاتل قاتل بجنان.. وأنا الذي أقول: وجربت الأمـــــــور وجربتني فقد أبدت عريكتي الأمــــور ترى الرجل النحيــف فتزدريه وفي أثــــوابــه أسـد هصور ويعجبـــك الطرير فتبتــــليه فيخلف ظنك الرجل الطرير خشاش الطيـــر أكثرها فراخًا وأم الصقـــــر مقــلات نزور ضـــعاف الأسد أكـثرها زئيراً وأصــرمهـا اللواتي لا تزيــر وقـد عظم البعــــــير بغير لب فـلم يـستـعن بالعظم البعير وما عظم الرجال لهم بـــــزين ولكــن زينها كــــرم وخـــير (تم حذف بعض الأبيات للاختصار) فأعجب قوله الأمير فأحس بتسرعه في مقولتهِ تلك، فاعتذر منه ورفع مجلسه وقربه إليه. ثالثاً: تأمل في نتائج أعمالك والأقدار التي قد تصيبك، فلا تفرح كثيراً لما قد يبدو أنه نجاح، ولا تحزن كثيراً لما يبدو أنه شر، فالأفراح قد تخفي تحتها أتراحا، والأحزان قد تتكشف عن نجاح لم يكن في الحسبان، كما أن ذلك مدعاة للشكر والصبر وحفظ التوازن النفسي في حياتك، وقد جاء عَنْ صُهَيْبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ''عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ''، وَفِي حَدِيثِ شَيْبَانَ: ''وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلا لِلْمُؤْمِنِ''. هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (المصدر: موسوعة الحديث ـــ موقع إسلام ويب)، كما أنك حينما تزن الأمور بهذا الميزان تستطيع استثمار كل الأحزان أو الصعاب ليس على مستوى الأجر والثواب فقط بل لتجعلها أيضاً دافعاً يساعدك على النجاح، وما أجمل ما نُقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية ـــ رحمه الله : ''ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أنّى رحت فهي معي، لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة''. ولنا في الجزء الثاني من هذا الموضوع تأملات في أدوات الإدراك والتفكير حدودها، وطرق تفعيلها. ودمتم بخير وسعادة،،،
إنشرها