أكاديمية شرعية في المصرف المركزي

|
لعل من أهم الوظائف المنوطة بالبنك المركزي وظيفة بنك البنوك، وهذه الوظيفة تشمل المصارف التقليدية والإسلامية، ولما كانت المصارف المركزية في معظم الدول الإسلامية تفتقد الخبرة الشرعية، فقد توالت الدعوات من قبل عديد من الباحثين كي تقوم البنوك المركزية بالتنسيق مع الأجهزة الشرعية ذات العلاقة، كأجهزة الإفتاء ووزارات الأوقاف وكليات الشريعة وكليات الاقتصاد والمصارف الإسلامية وغيرها من الجهات المعنية، من أجل إيجاد هيئة شرعية مشتركة يتم اختيارها وتعيينها من قبل البنوك المركزية، بحيث تكون لهذه الهيئة قوة رسمية وقانونية تمكنها من ممارسة دورها في تنقية العمل المصرفي الإسلامي من الشوائب الربوية. وكان محمد عمر شابرا الخبير الاقتصادي الإسلامي قد اقترح منذ وقت طويل فكرة إنشاء هيئات شرعية في المصارف المركزية .. غير أنه خشي أن تتحول هذه الهيئات إلى جزء من الأجهزة الحكومية التي تنفذ السياسات الحكومية، لكن هذه الخشية يمكن التغلب عليها في الوقت الحاضر، في عصر الشفافية الدولية، من خلال رقابة الأجهزة والمؤسسات المدنية، ووجود مجلس الخدمات المالية الإسلامية، ووكالة التصنيف الإسلامية، والبنك الإسلامي للتنمية، وغيرها من المؤسسات الداعمة للعمل المصرفي الإسلامي. ولعل فكرة إيجاد أكاديمية شرعية تابعة للمصرف المركزي، إضافة إلى الهيئة الشرعية في المصرف المركزي، تمثل إضافة أخرى نوعية في سبيل تذليل العقبات وتضييق مساحات الاختلاف بما يزيد من تقدم ونقاء وتفوق الصيرفة الإسلامية. لقد كانت البنوك المركزية في معظم الدول الإسلامية ولا تزال تضم ضمن دوائرها معاهد للدراسات المصرفية التقليدية، وقد آن الأوان بعد انتشار العمل المصرفي الإسلامي في معظم دول العالم، لإنشاء معاهد أو أكاديميات للدراسات المصرفية الإسلامية تكون تابعة للبنوك المركزية، بحيث تتولى هذه الأكاديميات مسؤولية البرامج المصرفية الإسلامية والتطبيقات الشرعية لهذه البرامج، إضافة إلى تأصيل عملية الرقابة الشرعية والمتابعة والتصحيح والمحافظة على سلامة العمل المصرفي الإسلامي ونقائه من المخالفات الشرعية. ويبدو أن ماليزيا كانت سباقة في هذا الجانب، عندما أوجدت الأكاديمية العالمية للبحوث الشرعية التابعة للبنك المركزي الماليزي، وكما ورد في مجلة ''إسرا'' الدولية للمالية الإسلامية الصادرة عن هذه الأكاديمية، فإن هذه الأكاديمية تسهم في تشجيع البحوث التطبيقية وفحص القضايا الملحة في المالية الإسلامية، وتضع بين يدي المتعلمين والعلماء والممارسين مخزونا نوعيا من الاجتهادات والفتاوى والبحوث المتخصصة باللغتين العربية والإنجليزية، وهي تسعى من وراء ذلك كله إلى توفير منبر لمشاركة أكبر عدد ممكن من الممارسين والعلماء، والقانونيين، والأكاديميين على المستويين المحلي والدولي. إن انبثاق هذه الأكاديمية من المصرف المركزي يعني أنها ستكون أكثر دراية وإحاطة بالجوانب الفنية والاقتصادية، وأكثر التصاقا بالسياسات الاقتصادية للدولة، وبشكل خاص السياسات النقدية التي يمارسها البنك المركزي، الذي يمثل الدولة أو ولي الأمر في الجوانب النقدية والمالية. إن كثيرا من الأحكام الشرعية للعقود والصيغ التي تمارسها البنوك الإسلامية يمكن أن تختلف باختلاف الأوضاع الاقتصادية لكل بلد والسياسات الاقتصادية والنقدية المقصودة من قبل ولي الأمر. فمما هو متفق عليه ''أن تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة'' وأن لولي الأمر تقييد بعض المباحات لتحقيق المصلحة العامة، ومن هنا يمكن أن يبرر الاختلاف في تطبيق بعض الصيغ والعقود، فما قد يكون مقبولا في بلد فقير لا يزيد متوسط دخل الفرد فيه على 100 دولار سنويا، قد لا يكون مقبولا في بلد يتجاوز متوسط دخل الفرد السنوي فيه 40 ألف دولار، وما قد يكون مقبولا في أوقات التضخم قد لا يكون مقبولا في أوقات الانكماش، وهكذا .. ومن هنا يأتي دور هذه الأكاديميات في ترجمة الواقع والظروف الاقتصادية من خلال العقود والصيغ الإسلامية المطبقة في البنوك، بما ينسجم مع واقع الناس وأحوالهم ويتفق مع المقاصد الشرعية التي تقوم على العدالة والرحمة والتكافل، وتنبذ الاستغلال والإذعان والتحايل. إن وجود مثل هذه الأكاديميات الشرعية في البنوك المركزية يزيد من مساحات الاتفاق والتقارب بين العلماء، ويقلل من حدة الاختلاف والتنافر، كما يعمل على زيادة تفهم الناس وتقاربهم وتعاونهم مع العلماء، وحتى مع الحكومات، عندما تعمل هذه الحكومات بقاعدة، تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة.
إنشرها