الأمر الملكي القاضي بتسديد ديون المتورطين من المسجونين والسجينات في قضايا مالية نتيجة عدم قدرتهم على السداد، والعفو عنهم كسجناء حق عام وضمن ضوابط محددة، وتشكيل لجنة لأجل ذلك من وزارة الداخلية ووزارة المالية، وما تمت الإشارة إليه من أن ذلك سيستفيد منه آلاف السجناء.. ذلك كله يترجم منهجاً عملياً من قبل القيادة في إقالة عثرات مواطنين ومواطنات، وتخليصهم من معاناة السجن من ناحية، ومعاناة التفكير في كيفية إنقاذ أنفسهم مما تورطوا فيه من ناحية أخرى.
وإذا كانت اللجنة الموقرة التي ستنظر في كيفية إنفاذ الأمر الملكي الكريم، ستضع في الاعتبار أحجام الديون والجهات الدائنة، فهي بالتأكيد ستنظر أيضاً إلى الكيفية التي وقع فيها هؤلاء المساجين أنفسهم في الديون والظروف والملابسات التي أحاطت بذلك.
إن العفو الملكي بتسديد الديون العامة على هؤلاء، رجالاً ونساءً، يعني من الناحية الإنسانية الصرفة إعادة إدماج لهم في حياة كريمة بين أسرهم الخاصة، وفي أسرتهم الاجتماعية الكبرى، هذا على المستوى النفسي والأخلاقي، لكنه يمثل في الوقت نفسه إعادة إدماج فعلية لهم في جهود المشاركة الوطنية في التنمية الاجتماعية والاقتصادية بما يضيفونه من إسهام عملي، فيما سيمارسونه من أنشطة خاصة أو عامة، والأمران معاً يعمقان فيهم حس المواطنة الصالحة وشرف الولاء والانتماء لهذا البلد الأمين.
غير أن نبل كل هذا وأثره في تعميق التلاحم والتراحم بين مختلف فئات المجتمع يعزز ما ذهبنا إليه في مسألة النظر في الكيفية والأسباب التي أوقعت أولئك في المديونية وأدخلتهم السجون، لأن من شأن فحص هذه الملابسات والظروف المحيطة بها اقتصادياً واجتماعياً أن تضع أمام اللجنة الموقرة أعراضا حقيقية أودت بأولئك إلى السجن قد تكون ذات علاقة بالتكوين النفسي لبعضهم، وقد تكون ذات علاقة بجهل أو عدم دراية باللوائح والأنظمة أو ذات علاقة بإشكالات وسلبيات إدارية تتصل بالجهات أو بعضها حول عدم قيامها بمهامها كما يجب، تبصيراً وتوعية أو احتراساً منها، كما قد تكون بالطبع ذات علاقة بحاجة إنسانية حقيقية لم يتم الالتفات إليها أو لم يوفق بعضهم في التعبير عنها والوصول بها إلى الجهات المعنية، فأخذ أحدهم أو إحداهن على عاتقه مجازفة حلها بنفسه فوقع في المحذور.
أهمية دراسة مصدر حيثيات وقائع المديونيات لهؤلاء، ودراستها، لا تسهم فقط في حل مشكلتهم عبر هذه الفرصة الثمينة للعفو عمّا حدث في الماضي، وإنما تسهم كذلك في تحاشي وقوع مدينين آخرين مستقبلاً وعدم تورطهم فيما تورط فيه هؤلاء، وذلك يعني ضرورة العمل على تجفيف منابع التورط في الدَّين بتفعيل وتطوير آليات التنمية الاجتماعية في كل مؤسساتها، سواء في وزارة العمل، ووزارة الشؤون الاجتماعية والجمعيات والمؤسسات الخيرية وسياسة التوظيف وغيرها، كذلك في تفعيل آليات مؤسسات وبنوك وشركات القطاع الخاص، والنظر في علاقة هذا القطاع ومسؤوليته الاجتماعية، ونوع تلك الآليات التي يعمد إليها هذا القطاع في بناء الروابط بينه وبين المتعاملين معه في جميع الأنشطة والمجالات الخدمية والمالية والاستثمارية.
وهكذا.. فمثلما أن الأمر الملكي بتسديد مديونيات سجناء الحق العام جاء بلسماً لهؤلاء الذين سيشملهم عفو خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، يمكن أن تكون مفاعيل هذا الأمر الملكي أيضا ترسيخاً لمسار استشرافي ينطلق من حاضر الحالات التي ستنظر فيها اللجنة الموقرة، كي يكون منهجاً وقائياً يجنب مستقبلاً غيرهم من المواطنين مغبة التورط.. حتى لا يخسر أحد نفسه ولا يخسره الوطن.
