أقر مجلس الشورى مشروع النظام الجديد للشركات دون حسم الخلاف بشأن المادة 76 المتعلقة بمنح أعضاء مجلس الإدارة مكافآت بنسبة 10 في المائة من الأرباح، وأحال البحث في الموضوع إلى اللجنة المختصة لكي تقدم مقترحاتها ومرئياتها بشأن ذلك.
إن إثارة مسألة مكافآت أعضاء مجالس الإدارات ورواتبهم على مستوى الحديث الاجتماعي العام وفي النطاق الإعلامي على نحو متواتر تعني أن ثمة موقفا غامضا تجاهه تتداخل فيه الاتجاهات الكيدية والحسد بالإحساس بالغبن، ولا منطقية أو لا عدالة في الحصول على هذا الامتياز، خصوصا حين يكون معروفا أن بعض الأعضاء أو حتى رؤساء هذه المجالس يكادون أن يكونوا مؤبدين بحكم شبكة العلاقات والنفوذ أو بحكم حجم الأسهم أو بحكمهما معا. غير أن هذا التصور وهذه الأحكام ينبغي ألا تترك معايير وشواهد على صحة التصور والأحكام.. ذلك أن المنطلقات الشخصية التي عادة ما تكون شديدة الإجحاف بحق امتيازات غيرها وسمحة رضية مع امتيازاتها - لا ينبغي جعلها بيضة القبان والفيصل في مثل هذه المسألة، كما لا ينبغي أيضا إهمالها بشكل تام؛ لأن هناك منطلقات شخصية لا يبنيها أصحابها على مواقف ذاتية، وإنما بناءً على المعرفة والتجربة وحصاد الخبرة، فضلا عن تحكيم الضمير.
ولكيلا يكون الحديث هنا معلقا في التجريد والعالم الافتراضي، فلعله من المهم الإفادة من حصاد المرارات التي تداعت عن أزمة الاقتصاد العالمية، حيث أجمع المحللون على أن الرغبة العارمة في الامتيازات المالية والدخول الكبيرة هي ما فتح باب الفساد فراح يوسع هذه الأبواب ويعددها عبر لي أعناق اللوائح والأنظمة والتشريعات أو تخديرها لكي تظل بلا حضور لها في التشريعات نفسها بحجة تأجيل البت فيها لمزيد من الدراسة حتى يلفها النسيان.
الامتيازات في المكافآت والرواتب لرجال المصارف والشركات الكبرى والمتوسطة كانت أبرز الأخطاء الشنيعة حين سمح لها أن تبرر نفسها بنفسها حتى تراخت قبضة التشريع على التمويل والصفقات غير المجدية والمؤمنة اقتصاديا والائتمانات العارية؛ وكله إكراما لعين دخول الشخصيات المتنفذة في تلك المصارف والمؤسسات والشركات، دفع ثمن انهيارها المدخرون والمساهمون والمقترضون في أمريكا وأوروبا، على حد سواء.
هذه المقاربة للكارثة الاقتصادية قد تكون جامحة للقياس عليها، باعتبار أن شركاتنا المساهمة، أو بعضها، لا تقارن بتلك الكيانات الاستثمارية أو المالية الهائلة، إلا أن هذا الجموح نفسه مدعاة للتأمل والاعتبار، فإذا كانت تلك الكيانات الضخمة لم تقو على أن تتقي مصيرها الأسود في الإفلاس والتسريح من العمل فما تراه سيكون حال شركاتنا التي لم يشتد عود بعضها بعد، بل يعاني بعضها اختلالات هيكلية وفنية ومالية وتنقصها شروط الحوكمة والشفافية التي تبرز أصداؤها عن هذه الشركة أو تلك في صحافتنا وفي الحديث الاجتماعي العام أيضا.
إن من المهم أن تكون كياناتنا الاستثمارية والتجارية مالكة لقوام وجودها بكل مقوماته الإدارية والقانونية مثلما هو الحال في نشاطها الاستثماري أو التجاري.. وإلا أصبحت شركاتنا كالبعير تأكل من سنامها.. وباتت فقط كيانات شكلية فخمة أنيقة بمقارها وواجهاتها.. مظهرا لا مخبرا.. أو نمورا من ورق، ونمور الورق سرعان ما تذروها هبة ريح.
وهكذا.. فمن أجل ألا تأكل شركاتنا من سنامها كالبعير، ومن أجل ألا تصبح مجرد نمور من ورق.. فإنه من الأولويات ألا يتولى المستفيدون من هذه الامتيازات تفصيل اللوائح على مقاسهم، وإنما يتم تفصيلها بحياد المختصين بناءً على أفضل التجارب في هذا المجال في العالم، وفي ضوء ما تداعت عنه الأزمة الاقتصادية العالمية، وبمراعاة مهمة جدا للمواصفات الموضوعية الواقعية لطبيعة اقتصادنا والبيئة الاستثمارية المحلية والمناخ الاجتماعي وظروفه المعيشية بشكل عام.
