الأربعاء, 4 نوفمبر 2026|23 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

تعمد المؤسسات التربوية على الدوام إلى تعزيز مبدأ التنافس وفق المعايير القابلة للقياس بالطرق التقليدية، ومنها التحصيل العلمي، الذي يعمد إلى حصر مستوى المعرفة لدى المرء بالدرجة الأكاديمية التي يحملها. وقصر تقدير مستوى الكفاية لدى الفرد على هذا المعيار منفرداً ـــ في نظري ـــ يجانب الصواب ويقصي عديدا من الموارد البشرية الفاعلة من دائرة المشاركة في التنمية الحضارية في المجتمع.

وحيث إن العالم الواقعي يحتم اعتماد معايير تطبيقية عملية تفرضها الحاجة لمجتمع منتج وأكثر فاعلية، قد لا تكون بالضرورة قابلة للقياس الكمي، لذا لزم أن ينظر إلى معايير لقياس الجودة النوعية لدى الفرد، والتي لا تتأتى عن طريق حصر المفاضلة بين مختلف العناصر البشرية في قوالب جامدة من هذا النوع من أنواع المفاضلة، لا يساعد في كشف الفروق الفردية التي يتطلبها البناء الحضاري.

إن هذا النوع من أنواع المفاضلة بين الأفراد عمل على مر العصور على تكريس مبدأ المنافسة، مما تسبب في خلق كثير من الصراعات، بداية بالأفراد ومروراً بالأسر والجماعات وانتهاءً بالأمم والحكومات.

والمتتبع لهذا الأمر قد لا يغيب عنه أن مبدأ المنافسة يتم تنشيطه والدعاية له بوسائل متعددة، أولاها تعزيز فكرة أن يكون هذا المبدأ من القيم الإنسانية الأصيلة كفضائل الأخلاق عبر المؤسسات التربوية الموجهة للأجيال الناشئة باستخدام وسائل القياس التقليدية المعروفة لدى الجميع. إلا أنه يغيب عن كثير من المؤسسات التربوية أهمية إعادة صياغة معايير المفاضلة بين الأفراد، أو على أقل تقدير أن ينظر للسمات الشخصية بشكل يعزز لدى الفرد احترامه ورضاه عن ذاته، حيث يكفي فحسب أن يقوم بواجبه موظِفاً كل طاقته ليكون أفضل ما يمكن أن يكونه.

وهذا الأمر تحديداً أشار إليه الكاتب Wallace D. Wattless في كتابه المنشـور في عام 1999 وأعيدت طباعته عـدة مرات باللغة الإنجليزية بأسلوب سلس ومعبر تحت عنوانThe Science of Getting Rich بالمعنى التالي: ''يجب أن تتخلص من فكرة المنافسة. إذ يفترض أن تبتكر لا أن تتنافس على ما هو مبتكرٌ أصلاً. فلا تعمل على أخذ شيءٍ ما من شخصٍ ما. ويجب عليك ألا تنشغل بإذكاء مساوماتٍ لا طائل منها، كما أنه ليس من الكياسة أن تغش أو تحتال. لن تحتاج من أحد أن يعمل لديك بأقل مما يستحق أن يتقاضى منك. ولا تنظر إلى ما لدى الآخرين بشهية الحسود. ليس لدى الآخرين شيءٌ لا يمكنك الحصول على مثله إلا بأخذه منهم! يجب أن تكون مبدعاً بدلاً من أن تكون منافساً أو خصماً لأحد. وكن على يقينٍ أنك ستحصل على ما تريد ـــ بإذن الله ـــ بشكلٍ يجعل من المحتمل أن يحصل الآخرون الذين تعمل على تقليدهم أو التنافس معهم اليوم على أكثر مما يحصلون عليه الآن!'' أ. هـ.

ولن يكون مفاجئاً أن يفوَت غياب المعايير النوعية على كثيرٍ من الأمم تحقيق الاستفادة المثلى من مواردها البشرية بشكلٍ يسهم بفعالية في نهضتها وتقدمها. إذ إن العالم من حولنا يثبت يوماً بعد يوم أنه ليس من الضروري أن يكون القادة والمؤثرون في العالم متفوقين دراسياً! وليس شرطاً أن تدار عجلة التنمية بشهادة أكاديمية عليا. وكثير من المؤثرين على مدى الأزمان، الذين سطرهم التاريخ لم يكونوا متميزين دراسياً، بل ربما كان أغلبهم في غاية البؤس أو ربما في غاية البعد عن التفكير المنهجي المنمذج، بل لربما كانوا أقرب إلى الجنون! وأمثال هؤلاء من الأثرياء أو ربما من الذين أحدثوا تحولات مهمة غيرت مجرى التاريخ في العالم لم يجلسوا على مقاعد الدراسة قط!

إن المبدأ التنافسي الذي يحيطنا في مختلف البيئات، قد أفرز كثيرا من السلوكيات غير المحبذة، كالأنانية والحسد والغيرة بين الأفراد، إلا أنه على النقيض من ذلك أسهم بشكلٍ إيجابي في إقناع مؤسسات الأعمال بأهمية التطوير المستمر للأداء، وهو أمرٌ لم يكن بالضرورة متأتياً بالتنافس وحده، إنما بالرغبة الدائمة لأن تكون هذه المؤسسات في أفضل مستوى أداء يمكن أن تكونه.

إنه لمن المتوقع أن يكون الفكر الرأسمالي هو الذي عمل على تشجيع ظهور المبدأ التنافسي كمعيار أصيل لتقييم التميز.

ولم يكن المبدأ التنافسي في ظني هو الضرر الجانبي الوحيد الذي تمخض عنه الفكر الرأسمالي، إلا أنه عيب إلى جانب عيوب كثيرة أفرزتها الرأسمالية، كمبدأ البقاء للأقوى، الذي أغرى بأن يقتات الأقوياء على كدح الضعفاء بشبقٍ وفي غياب من صحوة الضمير! وبلا شك في بعد شاسع عن المبادئ الإنسانية السوية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية