لا شك أن الدين جائز في شريعة الإسلام إذا خلا مما يلازمه عادة من المحظورات وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، كما أن له حكما وآثارا عظيمة على كل من المدين والدائن، فالحكمة من الدين ـــ في جانب المدين ـــ هي سد حاجة المحتاج بطريق مشروع من جانب وسد الباب على الوسائل غير المشروعة للحصول على المال من الجانب الآخر.
وأما من ناحية الدائن، فهي أن الدين قد يكون سببا لتصريف الكثير من المنتجات التي يحول البيع الحال دون تسويقها. وذلك فضلا عن الآثار الحميدة والمفيدة للقرض الحسن وهو من أهم أقسام الدين.
ولكن على الرغم من هذا الحكم العام فإن الدُّيون عموما (ولا سيما الديون المحرمة مع التوسع فيها) لها آثار سالبة ليس على الجانب الاقتصادي فحسب، بل على الجوانب السياسية والاجتماعية، والعقدية والأخلاقية والنفسية.
فقد أشار رسولنا الكريم ـــ صلى الله عليه وسلّم ـــ إلى ذلك، حيث كان يستعيذ من ثمانية أشياء بينها ترابط وثيق منها الدَّين، وهي الجبن والبخل، والهم والحزن، والعجز والكسل، وغلبة الدين وقهر الرجال، ولا شك أن في جمعها معًا في استعاذة واحدة إشارة إلى وجود نوع من الترابط والتلازم بينهما، ولو أمعنا النظر لاكتشفنا أن الظواهر المذكورة تعد من أهم أسباب الوقوع في الديون وخاصة الديون الربوية، كما أن كل واحد منها سبب للآخر وأنه يأتي نتيجة له.
وعلى المستوى السياسي كان للتوسع في الديون آثاره الخطيرة في تبرير الاستعمار واحتلاله لبعض البلدان، فقد كان يحقق أغراضه من خلالها عبر شركاته الاحتكارية، فقد كانت شركة الهند الشرقية البريطانية هي التي مهدت لاحتلال الهند، كما أن التورط في الديون الربوية كان له أثره على الخلافة العثمانية والتمهيد لإسقاطها في النهاية، ولا يزال التوسع في الاقتراض ومراكمة الديون على بعض الدول الإِسلامية يؤتي آثاره الخطيرة في قراراتها وخياراتها السياسية.
وإذا كان القرض من أهم الأسباب الشرعية المباشرة للدين ومصدرا له، فإن الحاجات الإنسانية هي السبب غير المباشر للاستقراض، كما أنها السبب غير المباشر للبيع والشراء والتعاطي بالأجل ومن ثم الديون، وكذلك سبب للتوسع في الديون المباحة والمحرمة.
ولذلك سنلقي بعض الضوء على الحاجات الإنسانية وأسبابها وأصلها.
فقد اقتضت حكمة الخالق تبارك وتعالى أن يجعل الحاجات الإنسانية غير محدودة وتتجدد باستمرار وتتطور مع تطور الأفراد والمجتمعات، ويدخل فيها ما يحتاج إليه الإنسان فعلا وما لا يحتاج إليه في حقيقة الأمر.
وينظر لهذه الحاجات بمنظار الواقع وبما هو كائن فعلا، وليس بمنظار ما ينبغي أن يكون في معيار الدين أو الأخلاق، حيث تدخل فيها الحاجات الضرورية والحاجات التحسينية ، بل تدخل فيها الشهوات والأطماع والإسراف والتبذير.
وعلى ذلك فالأدلة متوافرة من القرآن الكريم والسنة النبوية على هذه الحقيقة الأساسية في الحياة، وهي كما يلي:
قال تعالى:(وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ )ـ (العاديات 8) قال تعالى:( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ) ـ (آل عمران: 14), وقال تعالى:( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ) ، (التكاثر: 1 – 2) ، وقال تعالى : ( لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ ) (فصل ت: 49) ، ويقول النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ : ''لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب''. (الحديث رقم: 5956 – صحيح البخاري ). يقول الماوردي :'' إَنَّ شَهَوَاتِ النفس غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ فَإِذَا أَعْطَاهَا الإنسان الْمُرَادَ مِنْ شَهَوَاتِ وَقْتِهَا تَعَدَّتْهَا إلَى شَهَوَاتٍ قَدْ اسْتَحْدَثَتْهَا، فَيَصِيرُ الْإِنْسَانُ أَسِيرَ شَهَوَاتٍ لَا تَنْقَضِي، وَعَبْدَ هَوًى لَا يَنْتَهِي، وَلَيْسَ لِلشَّهَوَاتِ حَدٌّ مُتَنَاهٍ فَيَصِيرُ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى أَنَّ مَا يَطْلُبُهُ مِنْ الزِّيَادَةِ غَيْرُ مُتَنَاهٍ''.
إذن ما يغلب على طبع الإنسان وسلوكه المالي والاقتصادي هو حب الشهوات والأطماع والإسراف والتبذير أي السلوك الأناني وليس السلوك الإيثاري، وهذه الحقيقة تتبين لنا فيما استعرضناه من الدلائل القاطعة بما قد لا يروق لبعض الناس.
ذلك أن علم الاقتصاد لا يقوم على التنبؤ بسلوك شخص ما بذاته ولا سلوك مجموعة محدودة من الناس، ولا على فترة زمنية محددة من فترات حياتهم، ولكنه يركز على تفسير السلوك العام لمجموعة كبيرة من الناس.
أي على ما يمكن تسميته بالقانون العام الذي يفسر الظواهر الاقتصادية والاجتماعية ويحكمها.
#2#
وسنجد أن السلوك الإنساني العام حتى في المجتمع المسلم ــ في الظروف العادية ــ لا يخرج مما ذكرنا، وأن ما يحفزه للتوسع في نفقاته وتركيم الديون بكل طريق هو مصلحته الخاصة حتى لو تعارضت مع المصلحة العامة أو مصالح الآخرين.
ويتبيَّن ذلك من الآتي:
1- قال تعالى: ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ (آل عمران: 14).
ويقول الإمام الرازي: إن الآية تدل على أمور مرتبة أولها : أنه يشتهي أنواع المشتهيات, وثانيها: أنه يحب شهوته لها، وثالثها: أنه يعتقد أن تلك المحبة حسنة وفضيلة، ولما اجتمعت في القضية الدرجات الثلاث بلغت الغاية القصوى في الشدة والقوة، ولا يكاد ينحل إلا بتوفيق عظيم من الله تعالى، ثم إنه تعالى أضاف ذلك إلى الناس، وهو لفظ عام دخله حرف التعريف فيفيد الاستغراق، فظاهر اللفظ يقتضي أن هذا المعنى حاصل لجميع الناس، والعقل أيضاً يدل عليه).
2- وقال تعالى: ( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (الكهف: 7)، وقال أيضاً :( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) (الكهف: 46)، قال الإمام الرازي: ''لأن الله ـــ جل جلاله ـــ جعل الدنيا دار ابتلاء وامتحان، ركب في الطباع الميل إلى اللذات وحب الشهوات لا على سبيل الإلجاء الذي لا يمكن تركه، بل على سبيل التحبيب الذي تميل إليه النفس مع إمكان ردها عنه ليتم بذلك الامتحان، وليجاهد المؤمن هواه فيقصر نفسه على المباح ويكفها عن الحرام.
3- وقال تعالى: ( إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ , وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ , وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ) (العاديات: 6 – 8).
أصل الكنود منع الحق والخير والكنود الذي يمنع ما عليه، و للمفسرين عبارات، منها: الكفور، العاصي، الشديد البخيل الممسك، تقول: هو شديد لهذا الأمر وقوي له إذا كان مطيقاً له ضابطاً، اللوام لربه يعد المصائب، وينسى النعم ، فإن حملناه على الكل كان المعنى أن طبع الإنسان يحمله على ذلك إلا إذا عصمه الله بلطفه وتوفيقه من ذلك، وهو أحد الأقوال في تفسير الآية، وهي من الأمور التي أقسم الله عليها.
4- وقال تعالى:(أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ)،(التكاثر: 1 – 2).
والتكاثر ـ حسب الرازي ـ التباهي بكثرة المال والجاه، والتكاثر تفاعل عن الكثرة والتفاعل يحتمل أن يكون بين اثنين فيكون مفاعله، ويحتمل تكلف الفعل فإن الحريص يتكلف جميع عمره تكثير ماله، ويدخل فيه التكاثر بكل ما يكون من الدنيا ولذاتها وشهواتها. وهو لا يختص بمرحلة واحدة من عمر الإنسان بل يكون ذلك طول حياته إلى أن يموت، وزيارة المقابر هنا كناية عن الموت، يعني أن حب الدنيا وشهواتها وحاجات الإنسان فيها لا تنقطع حتى يموت ابن آدم.
5- وعن ابن عباس رضي الله عنهما يقول سمعت النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ يقول: ''لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب''. (الحديث رقم: 5956 – صحيح البخاري، كتاب الرقاق: وفيه : أنهم كانوا يرون هذا الحديث من القرآن حتى نزلت (ألهاكم التكاثر).
6- وقال تعالى: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ) (النساء: 128)، وقال: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، (التغابن: 16، الحشر: 9).
يقول الآلوسي: والمراد : أحضر الله تعالى الأنفس الشح وهو البخل مع الحرص، ويجوز أن يكون الشح جعل حاضراً لها لا يغيب عنها أبداً، أو أنها جعلت حاضرة له مطبوعة عليه، ولعل المراد أنه البخل المتناهي بحيث يبخل المتصف به بمال غيره, أي لا يودّ جود الغير به وتنقبض نفسه منه ويسعى في أن لا يكون، أو بحيث يبلغ به الحرص إلى أن يأكل مال أخيه ظلماً أو تطمح عينه إلى ما ليس له ولا تسمح نفسه بأن يكون لغيره .
أيضاً: الشح اللؤم وهو أن تكون النفس كزة حريصة على المنع, وأضيف إلى النفس لأنه غريزة فيها, وأما البخل فهو المنع نفسه. وعن ابن مسعود أن الشح الذي ذكره الله تعالى أن تأكل مال أخيك ظلماً).
7- وقال تعالى : ( إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)، ( المعارج : الآيات 19 – 24).
يقول الرازي: (قال بعضهم: المراد بالإنسان ههنا الكافر، وقال آخرون: بل هو على عمومه، بدليل أنه استثنى منه (إلا المصلين).
والهلع: هو شدة الحرص وقلة الصبر، وقد فسره الله، ولا تفسير أبين من تفسيره، هو الذي إذا ناله شر أظهر شدة الجزع، وإذا ناله خير بخل ومنعه الناس ) وقد سبق أن نقلنا تعريف الرازي له بأنه واقع على أمرين: أحدهما: الحالة النفسانية المخلوقة على سبيل الاضطرار والثاني : الأفعال الظاهرة الاختيارية الدالة على الحالة النفسانية، والمراد من الشر والخير الفقر والغنى أو المرض والصحة، فالمعنى أنه إذا صار فقيراً أو مريضاً أخذ في الجزع والشكاية، وإذا صار غنياً أو صحيحاً أخذ في منع المعروف وشح بماله ولم يلتفت إلى الناس.
واستثنى من هذه الحالة المذكورة المذمومة من كان موصوفاً بثمانية أشياء: 1ـالمصلين 2ـ الذين في أموالهم حق معلوم 3ـ الذين يصدقون بيوم الدين 4ـ الذين هم من عذاب ربهم مشفقون 5ـ الذين هم لفروجهم حافظون 6ـ الذين هم لأمانتــــهم وعــــهدهم راعون 7ـ الذين هم بشاهداتهم قائمون 8ـ الذين هم على صلاتهم يحافظون.
8- وقال تعالى :( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ) (فاطر: 32).
اتفق أكثر المفسرين(ابن كثير ) على أن المراد من الكتاب القرآن وعلى هذا فالذين اصطفيناهم الذين أخذوا بالكتاب وهم المؤمنون, والظالم والمقتصد والسابق كلهم منهم, وأخبر بدخولهم الجنة.
وكلمة (ثم أورثنا) أيضاً تدل عليه. وهم هذه الأمة، ثم قسمهم إلى ثلاثة أنواع، فقال: (فمنهم ظالم لنفسه) وهو: المفرط في فعل بعض الواجبات، المرتكب لبعض المحرمات.
(ومنهم مقتصد) وهو: المؤدي للواجبات، التارك للمحرمات، وقد يترك بعض المستحبات، ويفعل بعض المكروهات، (ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله) وهو: الفاعل للواجبات والمستحبات، التارك للمحرمات والمكروهات وبعض المباحات.
يقول الرازي: فإن قال قائل كيف قال في حق من ذكر في حقه أنه من عباده وأنه مصطفى إنه ظالم ؟ مع أن الظالم يطلق على الكافر في كثير من المواضع، فنقول المؤمن عند المعصية يضع نفسه في غير موضعها فهو ظالم لنفسه حال المعصية, وإليه الإشارة بقوله ــ صلى الله عليه وسلم ــ : ''لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن''.
9- قال تعالى: ( وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) (هود: 9 – 11).
يقول الرازي: (لفظ (الإنسان) في هذه الآية فيه قولان:
القول الأول: إن المراد منه مطلق الإنسان ويدل عليه أنه تعالى استثنى منه قوله: (إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات) والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل، فثبت أن الإنسان المذكور في هذه الآية داخل فيه المؤمن والكافر، وذلك يدل على ما قلناه ) ، يعني أن هذه الآية موافقة على هذا التقرير لما ورد في سورة المعارج( الآيات : 19 – 21) كما أن مزاج الإنسان مجبول على الضعف والعجز.
والقول الثاني: إن المراد منه الكافر، ولفظ الإذاقة والذوق يفيد أقل ما يوجد به الطعم، فكان المراد أن الإنسان بوجدان أقل القليل من الخيرات العاجلة يقع في التمرد والطغيان).
وقال الفراء؛ هو استثناء من لئن أذقناه: أي من الإنسان، فإن الإنسان بمعنى الناس، والناس: يشمل الكافر والمؤمن، فهو استثناء متصل.
10- وقال تعالى : ( لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي .......* وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ * ) (فصلت: 49 – 51).
يقول الشوكاني: (ذكر سبحانه بعض أحوال الإنسان، فقال: (لا يسأم الإنسان من دعاء الخير) أي: لا يمل من دعاء الخير لنفسه، وجلبه إليه، والخير هنا: المال، والصحة، والسلطان، والرفعة. قال السدّي: والإنسان هنا يراد به الكافر. والأولى حمل الآية على العموم باعتبار الغالب، فلا ينافيه خروج خلص العباد، ثم استطرد الشوكاني في القول فقال: إن الصفات الواردة في الآيات هي من صنيع الكافرين، ومن كان غير ثابت القدم من المسلمين، ثم رجع سبحانه في نهاية الآيات إلى مخاطبة الكفار، ومحاجتهم).
11- قال تعالى: ( وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (يونس: 12).
اختلفوا في (الإنسان) في قوله: (وإذا مس الإنسان الضر) فقال بعضهم: إنه الكافر، ومنهم من بالغ وقال: كل موضع في القرآن ورد فيه ذكر الإنسان، فالمراد هو الكافر، وهذا باطل، كما يقول الإمام الرازي، لأن قوله : ( يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ) (الانشقاق: 6 – 7)، لا شبهة في أن المؤمن داخل فيه، وغيره، كثير في القرآن.
فالذي قالوه بعيد، بل الحق أن نقول: اللفظ المفرد المحلى بالألف واللام حكمه أنه إذا حصل هناك معهود سابق انصرف إليه، وإن لم يحصل هناك معهود سابق وجب حمله على الاستغراق صوناً له عن الإجمال والتعطيل, ولفظ (الإنسان) ههنا لائق بالكافر، لأن العمل المذكور لا يليق بالمسلم البتة.
إذن فالأسباب الغالبة التي تحكم وتفسر ظاهرة تراكم الديون وتفاقمها هو هذه الحاجات الإنسانية المتصاعدة بالمعنى الذي ذكرنا والتي تشكل في الزمن الحاضر ما يعرف بثورة الآمال المتصاعدة.
ويزيد من تسارع آثار الظاهرة طبعا الربا، أي الفوائد التي توضع على الدين نظير الأجل سواء على الديون الاستهلاكية التي تتضاعف عليها الفوائد الربوية بالنسبة للمدين حتى يصل إلى حالة العجز عن أدائها، قال تعالى: (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ...).
أو الديون التجارية الربوية التي يكفي الربا سببا لمحقها حيث لا تتنزل البركة في المال المرابـى: (يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ).
