كشفت كارثة الأمطار التي عانت أضرارها مدينة جدة، عن دافع للعمل الخيري التطوعي أثناء الحدث وبعده شارك فيه الشباب من الجنسين وأسهم بفاعلية في تخفيف حدة الكارثة، إلا أن عدم وجود تنظيم له جعل منه مجرد مبادرات فردية تكاملت مع جهود فردية أخرى دون تنسيق كاف ومسبق، ومع ذلك فإن كارثة الأمطار في مدينة جدة أظهرت الحاجة إلى وجود مظلة موحدة تعمل تحتها هذه الجهود الفردية، فالجهات الحكومية تحتاج إلى جهود موازية تكمل دورها وتدعمها في الأوقات الحرجة، حيث يلعب الوقت دورا مهما وحاسما في فوات فرصة المساعدة والإنقاذ وتخفيف الأضرار.
إن العمل التطوعي جزء من العمل الاجتماعي، وهو وسيلة للمشاركة في خدمة المجتمع وأفراده، وأصبح في العصر الحاضر يكتسب أهمية متزايدة، بل إنه في العديد من الدول ذات التجارب العريقة في هذا المجال يستعان بخبرات الجمعيات التطوعية في وضع الخطط والبرامج وترتيب الأولويات بحسب الأهمية، فضلا عن تحديد الأخطار وطبيعتها وأماكن توقع حدوثها وما يتطلبه التخطيط من إعدادات مسبقة تضمن السيطرة على مصادر الخطر وتفادي آثاره.
لقد كانت فكرة العمل الاجتماعي التطوعي تدور حول مساهمة الأفراد في أعمال الرعاية الاجتماعية، خصوصا في أوقات الأخطار والأزمات، وقد تأخذ هذه المساهمة صورة التمويل المالي أو التموين بالمؤن والأغذية أو في صورة تقديم الرأي أو الخبرة أو حتى مجرد المعلومات، حيث يغلب على المتطوعين أنهم غير موظفين أو مرتبطين بأعمال لها مقابل مادي، وهذا انطلاقا من فهم الاحتياجات الضرورية للمجتمع وأسره وأفراده.
إن العمل التطوعي أصبح مقياسا لمستوى الرقي الاجتماعي لأفراده ومساهمة القادرين فيه للقيام بعمل إيجابي دون مقابل مادي، حيث يقوم العنصر البشري بدور رئيس في تبني الفكرة وتطويرها وضمان استمرارها بما يحقق الغايات المنشودة التي تجاوزت الرعاية الاجتماعية إلى المشاركة الكاملة في أوقات الكوارث والأخطار والأزمات التي تواجه المجتمع وتشكل خطرا على مصالحه، وهذه المشاركة بقدر ما تحتاج إلى الوعي فهي تحتاج إلى الحماس والتنظيم، فمعظم المشاركين هم من الشباب والشابات المتحمسين لمجتمعهم، فهم عماد المورد البشري الذي يمارس العمل التطوعي الاجتماعي.
إن مجانية العمل التطوعي لا تعني عدم وجود حوافز أو امتيازات، فقد سجلت بعض الجامعات السعودية عددا من الساعات التطوعية التي تقيد للطالب في سجله الأكاديمي وتضيف إلى تحصيله العلمي قدرا من التجربة المعترف بقيمتها الاجتماعية والعلمية، وهذا جزء من التنظيم المحفز والضامن ليكون العمل التطوعي ذا دور إيجابي تحت إشراف من الجامعات أو المؤسسات والجمعيات الخيرية المرخص لها، فالتلقائية قد تؤدي إلى سلبيات أو استغلال مما يعني أهمية دور الجهات الحكومية وما يماثلها من المؤسسات الخيرية التي قد تستعين بقوائم للمتطوعين تتولى تدريبهم وتوجيههم لضمان نجاح الجهود والمبادرات الخيرة.
إن كثيرا من الشباب والشابات يتمنون إتاحة الفرصة لهم لإثبات انتمائهم للوطن والتعبير عن رغبتهم في تقديم ما يستطيعون من جهد في أوقات الكوارث والأخطار وهم يثبتون بحسهم الوطني انتماءهم إلى مجتمع مسلم ذي قيم عالية في التضحية من أجل مجتمعهم وأفراده ولعل قيام بعض الجهات المعنية كالدفاع المدني وغيره بدور تعريفي بما لديهم من برامج تحتاج إلى مشاركة يخلق فرصا للراغبين في العمل التطوعي، حيث ظهرت الحاجة إليه بعد أن تفاقم حجم الأخطار الناجمة عن السيول والأمطار التي بدأت تتجاوز المعدلات المألوفة في الأعوام السابقة.
