يشكل تاريخ الجزيرة العربية موردا خصبا وثريا في سياق قراءة التاريخ الإنساني، فهذه البقعة من الأرض هي مهد الكثير من الحضارات الإنسانية التي لا تزال تؤثر في مختلف الحضارات.. فضلا عن أنها منطلق رسالة الإسلام الخالدة التي أضاءت الكون البشري في قارات العالم كافة، من هنا كان الاهتمام بتاريخ هذه الأرض يأخذ بُعدا ثقافيا خاصا.. تنبّه إليه المستشرقون الذين توافدوا إلى الجزيرة العربية على مدى القرون الماضية في محاولة لاستكشاف ذلك التاريخ والإفادة من ثرائه، غير أن هذا الاهتمام غالبا ما أصيب ببعض العثرات إما بحكم اختلاف الثقافات، وعدم قدرة بعضهم على قراءة الواقع كما ينبغي أو لمآرب أخرى.. فيما كانت الدراسات العربية التي اهتمت بهذا الجانب تفتقر هي الأخرى إلى الشمولية والعمل البحثي الجاد نتيجة العمل الفردي الذي يفتقر إلى بعض الأدوات العلمية.
الأمير سلمان بن عبد العزيز، وهو أحد أبرز المهتمين بقراءة التاريخ، تنبّه سريعا إلى هذا الفاقد في المكتبة العربية، فسارع بكثير من الإخلاص لتبني استرداد المبادرة لكتابة هذا التاريخ من خلال عمل مؤسسي ظل يتراكم عاما بعد عام.. حتى أفضى إلى قيام جائزة ومنحة الأمير سلمان بن عبد العزيز لدراسات تاريخ الجزيرة العربية، التي ظهرت نسختها الأولى عام 1426هـ؛ ليضاف إليها هذا العام بُعدا علميا بالغ الأهمية.. تمثل في إضافة البحوث إلى عنوان الجائزة، كما أعلن الدكتور فهد بن عبد الله السماري، أمين عام الجائزة، الذي أشار إلى أن التنظيم الجديد للجائزة يهدف إلى بناء تقاليد علمية أصيلة، قادرة على فتح كل الآفاق لاستنطاق هذا التاريخ العريق، ودراسته والغوص في تفاصيله من خلال البحوث الجادة، ليشكل المرجعية العلمية الحقيقية لتاريخ الجزيرة العربية، وثمة خطوة لا تقل أهمية عن سابقتها، وهي فتح المجال أمام الدارسين والباحثين من غير السعوديين أيضا للمشاركة في هذه الجائزة بعد ترشيحهم من مؤسسات علمية وجامعية موثوقة.. مما سيعطي الجائزة فرصة أكبر للذهاب بعيدا في استحضار هذا التاريخ، على اعتبار أنه يمثل تاريخ الأصول والمنابت الأولى للكثير من العرب والمسلمين، ويؤسس لبوابة عريضة تستطيع أن تنهل من هذا المعين الذي لا ينضب، والذي حققت فيه دارة الملك عبد العزيز الكثير من الإنجازات على مدى تاريخها.
ودخول الباحثين والباحثات من غير السعوديين يكشف عن عمق الرؤية العلمية للتاريخ.. على اعتبار أن العلم لا هوية ولا جنسية له، وحيثما وجد مَن يمتلك التأهيل للدخول من هذا الباب العريض الذي أشرعته جائزة الأمير سلمان .. فإنه سيشكل بالنتيجة الإضافة النوعية التي هي أحد مستهدفات هذه الجائزة لإثراء المكتبة العربية والأجنبية بكل ما يضع تاريخ هذه الأرض بحقيقته وأطره الفكرية والثقافية والتراثية على بساط البحث والتناول. ولعل الإعلان عن تاريخ مكة المكرّمة السياسي والاجتماعي والحضاري كعنوان لموضوع الدورة الرابعة.. وبما تمثله مكة المكرّمة في حياة وواقع وتاريخ ومستقبل المسلمين والعالم، يؤكد المدى العلمي الذي استهدف المزاوجة ما بين الدراسات والبحوث في عنوان الجائزة، ويعزز من قيمة تقاليدها العلمية التي تسعى للخلوص بأفضل القراءات الجادة التي تضع الباحثين أمام أفق عريض، يحقق مزيداً من الإضاءات المشرقة لتاريخ هذه الأرض المباركة.
بقي أن نقول: إن إعطاء الجامعات والمؤسسات العلمية والثقافية فرصة الترشيح للجائزة سيكون منعطفا مهما في مسيرة الجائزة، وسيفتح الباب واسعا أمام تطوير تلك الدراسات الفردية بنَفَس مؤسسي، مثلما أنه سيشجع الكثيرين على الدخول إلى هذا العنوان الضخم وسيعطي تلك البحوث قيمتها العلمية مدعومة بمصداقية جائزة جاءت لتنقلها من خانة الاجتهاد الشخصي والتحقيق، وكتابة المذكرات المجتزأة إلى العمل العلمي المؤسسي الذي يحظى بتقدير جميع المراكز العلمية.
