كانت وستظل قضية مكافأة أعضاء مجلس الإدارة قضية شائكة، ذلك أنها ترتبط بمشكلة أكثر تعقيدا وهي مشكلة المصالح المتعارضة. فأعضاء مجلس الإدارة يجب أن يقوموا بأعمالهم ويتخذوا قراراتهم وخططهم الاستراتيجية لتوظيف موارد الشركة ليس من أجل مصالحهم الخاصة مهما كانت، بل من أجل تحقيق أهداف الشركة وأغراضها التي أنشئت من أجلها، ومن بين أهم تلك الأهداف هدف تحقيق الأرباح التي تتناسب مع حجم الاستثمارات. لكن قدرة التخلي عن المصالح الخاصة في مقابل مصالح المساهمين والمجتمع أمر يصعب ضمانه، لذلك ظهر كثير من الإخفاقات التي تبعتها انهيارات مالية كبرى، فمن الصعب ضمان أن تعمل مجموعة من الأفراد لمصلحة عدد كبير جدا من المساهمين غير المعروفين، كما أن التغيرات التي تحدث في ملكية الأسهم يوميا تضعف كثيرا المسؤولية الأدبية والأخلاقية لدى كثير من أعضاء مجالس الإدارات، وهذه ظاهرة عالمية. لذا فإن احتمال أن يعمل أعضاء مجلس الإدارة من أجل تعظيم منافعهم من خلال تعظيم المكافآت، هو احتمال وارد، وتجب حماية المجتمع من ذلك بتقنين طرق تحديدها، والإفصاح عنها بشفافية كبيرة.
نظام الشركات السعودي لم يغفل تلك الأهمية منذ صدوره قبل نحو 50 عاما. فقد بينت المادة (74) طريقة تحديد المكافآت، حيث تكون راتباً معيناً، أو بدل حضور عن الجلسات، أو مزايا عينية، أو نسبة معينة من الأرباح. ومع ذلك إذا كانت المكافأة نسبة معينة من أرباح الشركة، فلا يجوز أن تزيد هذه النسبة على 10 في المائة من الأرباح الصافية بعد حسم المصروفات والاستهلاكات والاحتياطات التي قررتها الجمعية العامة، وبعد توزيع ربح على المساهمين لا يقل عن 5 في المائة من رأسمال الشركة. ثم اختتمت المادة بالقول: إن كل تقدير يخالف ذلك يكون باطلاً. وفي عام 1412هـ صدر قرار وزاري يقضي بأن يكون الحد الأقصى للمكافأة السنوية لعضو مجلس الإدارة في الشركات المساهمة التي تكون مكافأة أعضاء مجلس الإدارة كنسبة معينة من الأرباح 200 ألف ريال. على أن تصرف هذه المكافأة من الأرباح بعد توزيع ربح على المساهمين لا يقل عن 5 في المائة من رأسمال الشركة. لكن رغم وضوح النص إلا أن المتتبع لحال الشركات السعودية يجدها لا تلتزم أحكام المادة 74 من نظام الشركات والقرار الوزاري المنظم لها، فهناك من الشركات من لا يفصح عن حجم المكافآت بشفافية كافية. والبعض الآخر يصرف مكافآت رغم تحقيق خسائر في صافي نتائج الأعمال، والبعض يتجاوز نسبة 10 في المائة من الأرباح الصافية، أو أنها لم توزع أي أرباح نقدية على المساهمين. كما أن مشكلة التلاعب في الأرباح تفاقم مشكلة تعظيم المكافآت.
في هذه البيئة من الأعمال يأتي اهتمام مجلس الشورى بقضية المكافآت في سياقها وهو يناقش النظام الجديد للشركات، إلا أن هذا الأخير قد تأخر صدوره كثيرا ويجب أن يجد الطريق بسرعة إلى ميدانه، ذلك أن بيئة الأعمال تتطور بشكل لافت، بينما النظام القديم وتعديلاته لا يواكب تلك التغيرات. فالشركات هي عماد الاقتصاد الحديث، ولا يمكن بناء هذا العماد إذا لم تكتمل الجوانب التشريعية له، ومن بينها نظام الشركات ولوائحه. من المهم القول إن الإفصاح عن المكافآت لا يقل أهمية عن طريقة تحديدها، وهنا تتقاطع الأنظمة التشريعية مع أنظمة السوق ومبادئ حوكمة الشركات، حيث تركز جميعها على أهمية قضية مكافآت مجالس الإدارات وأهمية الإفصاح عنها، من أجل بيئة اقتصادية واستثمارية صحية.
