هنالك حدثان شهدهما النصف الثاني من كانون الثاني (يناير) لا بد لهما من إثارة اهتمام مفكري الهند، ومخططيها الاستراتيجيين. وأما الأول، فكان زيارة الدولة التي قام بها رئيس الصين الشعبية، هو جنتاو، إلى الولايات المتحدة، بينما تمثل الثاني في خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه الرئيس أوباما في 25 من كانون الثاني (يناير). وعلى الرغم من أن الهند لا تزال منتشية باستقبالها خلال عام 2010 لجميع زعماء الدول الخمسة دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، فإن هذين الحدثين الأخيرين يمكن أن يكونا عاملي التأثير الرئيسيين فيما يتعلق بالاستراتيجية الهندية الخاصة بالعقد المقبل. ويعود ذلك، بصفة رئيسة، إلى أنهما يمكن أن يرغما الهند على إعادة حساب استراتيجياتها، وربما تعديل أساليبها المتعلقة بمكانتها على الصعيد العالمي.
كانت زيارة الرئيس الصيني، هو جنتاو، إلى الولايات المتحدة في الأسبوع الثالث من كانون الثاني (يناير) انعكاساً للطبيعة المتغيرة للعلاقات الأمريكية ـــ الصينية، حيث أسهمت عوامل متعددة في ذلك. وكان أولها الانهيار الاقتصادي العالمي الذي وحد مصير اقتصادي البلدين إلى درجة تفرض عليهما استمرار الاتصال، والنظر إلى بعضهما بعضا كشريكين، بدلاً من خصمين. وأدى التراجع الاقتصادي الأمريكي، والأزمة العالمية، إلى زيادة احتياطيات العملة الأجنبية للصين إلى 2.4 تريليون دولار. ولم تعد هذه الأموال مجرد أصول متراكمة، وإنما كذلك بمثابة تبعات لأن الصين لم تعد تستطيع أن تتحمل فشل الاقتصاد الأمريكي. والأمر الثاني أن الصين أصبحت تشعر بأن لديها اليد العليا في الممر البحري الذي يفصلها عن تايوان بعد أن وقعت معها اتفاقية إطار التعاون الاقتصادي. وبالتالي فقد أصبحت العلاقات الصينية ـــ الأمريكية تمر بحالة من التساوي نتيجة لعدد من الأحداث الأخيرة. ومما لا شك فيه أن لذلك أثره في النظام العالمي.
قد يعني الأمر من جانب الهند أن الصين التي زادها هذا التساوي الجديد جرأة، يمكن أن تصعّب شروط التعامل مع الهند، ولا سيما بخصوص الخلافات الحدودية التي جددت الصين مطالبها القوية ذات العلاقة بها خلال الماضي القريب. والأمر الثاني هو أن هذه التطورات يمكن أن تشجع الصين على إعادة إصدار تأشيرات دخول لتلك المناطق المتنازع عليها مع الهند، ومحاولة جعل تلك الأمور بمثابة ''مسائل إجرائية'' عادية. وتزداد جرأة الصين حين تعتقد أن الولايات المتحدة لن تقف إلى جانب الهند في الصراع المتعلق بمناطق في ولاية أروناشال برادش. وبالنسبة إلى الهند، فإن هناك سؤالاً مهماً حول الخيارات المتاحة لديها إذا استمرت الصين في الاندفاع بخصوص مطالب المناطق في الولاية، وفي محاولتها مقايضة ذلك مع بعض تبادلات الأراضي في تاوانج، أو في الأراضي الأخرى التي يمكن أن تكون ذات منفعة استراتيجية لها، وذلك على طريقة ما لجأت إليه الصين في القطاع الغربي، وكما حدث مع الدول الأخرى في آسيا الوسطى. فهل ستكون الهند على استعداد للتخلي عن بعض مناطقها، وفقاً لترتيبات مشابهة لتلك الترتيبات طمعاً في التوصل إلى علاقات أكثر استقراراً مع الصين؟ قد ترى الصين منفعة في مقايضة بعض المناطق، حيث تجد أن تاوانج أهم لديها من وجهات النظر بخصوص استراتيجيتها المحلية إزاء التيبت.
من الجانب الآخر، نجد أن التعادل بين الولايات المتحدة والصين، يمكن أن تكون له مضامين إيجابية فيما يتعلق بالعلاقات بين الهند والصين. وفي ظل مثل هذا التعادل، فإن الصين قد لا تنظر إلى الوجود الأمريكي في المنطقة كعامل باعث على الشك، وكاستهداف لمصالح الصين الحيوية، ولا سيما في التيبت، وكسنجيانج، وكذلك من خلال الاتفاقيات التجارية المهمة لضمان أمن إمدادات الطاقة الصينية. ويمكن أن يؤدي كل ذلك إلى تراجع الشكوك الصينية الخاصة بمحور الديمقراطية في المنطقة، الذي تشكل الهند أهم مكوّن له. كما أن شكوك الصين ستتراجع بخصوص نمو العلاقات بين الهند، والولايات المتحدة، حيث ظلت الصين تشك في وجود حلف بين الهند، والولايات المتحدة يستهدف زعزعة استقرار الصين من خلال تشجيع العناصر المقاومة للصين في إقليم التيبت. وإذا كان هناك تطبيع على مستوى العلاقات بين الهند والصين، فإن موقف الصين تجاه باكستان سيتغير من حيث إن الصين لن تكون مضطرة إلى التضحية بحسن العلاقة مع الهند، مقابل استمرار قوة العلاقة مع باكستان، وبالذات حين يتعلق الأمر بقضايا مثل النزاع الكشميري، على سبيل المثال. ومن شأن هذه التطورات أن تغيّر الحسابات الاستراتيجية في جنوب آسيا.
يظل هناك سؤال مهم يتعلق بكل هذه الأمور وهو: ما الذي ينبغي أن تقدمه الهند إلى الصين، أو حتى إلى الولايات المتحدة؟ أو هل أن الهند راغبة في مخاطبة الصين من أجل التوصل إلى وضع يؤدي في النهاية إلى السيناريو المفضل فيما يتعلق بعلاقة جديدة بين الولايات المتحدة والصين؟ إن طموحات الهند في أن تصبح قوة عظمى ليست خافية على أحد. ولكن ما لم تتحرك الهند إلى التوصل إلى حالة من العلاقات التي تضمن الفوز لجميع الأطراف ذات العلاقة، فإن أحداً لن يعير اهتماماً كبيراً بقضية أن تصبح الهند دولة عظمى.
قد يكمن الجواب في خطاب الرئيس باراك أوباما عن حالة الاتحاد، حيث تصور عودة القوة الأمريكية من خلال التركيز على الابتكار. كما أن الصين بدورها تتحرك في سبيل الحصول على مزيد من التقدم فيما يتعلق بالابتكار، وذلك وفقاً لما جاء في وقائع المؤتمر السابع عشر للحزب الشيوعي الصيني. فهل يمكن للهند تولي زمام القيادة بعرض مشروعات بحث وتطوير مشتركة على كل من الولايات المتحدة، والصين في مجالات مثل الطاقة، وزيادة كفاءة استهلاك الوقود، والرعاية الصحية، والبنية التحتية، والتعليم، وأمور أخرى؟ لا تزال السياسة الخارجية الهندية تميل إلى الابتعاد عن مثل هذه الخطوات التقدمية. وقد يكون الوقت الراهن لحظة تاريخية يمكن للهند من خلالها اختبار أن تصبح شريكاً معادلاً في لعبة الدول الكبرى، بدلاً من مجرد موضوع يبحث على نطاق صراع قوى حتمي في جنوب آسيا. وعلى الهند أن تختار النظر إلى كأسها كي ترى ما إذا كانت نصف مملوءة، أو نصف فارغة.
خاص بـ «الاقتصادية»
حقوق النشر: OpinionAsia
