هل ما أعلنته أمانة المدينة المنورة وحذرت المواطنين من الوقوع في شراكه، من بيع وتسويق لأراض من مخططات وهمية يصح معه القول: (مرة أخرى)؟
لقد مرت مساهماتنا العقارية بعينات عدة من النصب والاحتيال في مجال تسويق مخططات وطرح مساهمات كانت في معظمها ورقية لا وجود لها على أرض الواقع أو أنها حين وجودها تكون قد تبخرت حقوق المساهمين فيها لسنوات طوال عهد لوزارة التجارة مهمة تسوية الحقوق فيها بعد حين من الدهر.
اليوم.. حين تحذر أمانة المدينة المنورة من عودة تجارة النصب والاحتيال في قطاعنا العقاري، يصبح من المهم أن نسأل عن جدوى تجارب الماضي؟ ولماذا عاد النصب يطل بوجهه من جديد؟ هل ذلكم بسبب أن العقوبات لم تجد طريقها للسابقين؟ أم أن العقوبات كانت هينة لينة لم تحل دون استعداد نصابين جدد للمجازفة بوقوعها عليهم فيما لو تم جلبهم للقضاء؟
وإذا كان العقاب، سواء كان قاسيا أو هينا لينا لم يردع من أن تسول للآخرين الجدد من أن يعاودوا الكرة، فما السر في المسألة؟ هل هي علاقات صحبة سوء يتم من خلالها الاستعداد مع التنفيذ لإعداد مخططات وهمية من قبل مكاتب هندسية ومهندسين لا يجدون حرجا في ذلك تماما مثلهم مثل التاجر النصاب الذي دفع التكاليف مقابل التخطيط الهندسي ومثل بقية ''الشلة'' المتكالبة على تدبير هذا المقلب البائس؟
ثم.. إذا كان التجار النصابون والمكاتب الهندسية المتواطئة المطأطئة من أجل حفنة نقود حرام قد أجازوا لأنفسهم ذلك، فكيف هرول المسوقون إلى تسويق الوهم؟ هل كانوا على علم بذلك؟ وهل يعقل ألا يكونوا على علم بمجال يعرفون خفاياه ويكادون يعرفون لمن تعود ملكية كل أرض فما بالنا بمخطط؟ وإذا كان المسوقون، على غير علم، هل تراهم سألوا عن إثبات صحة وجود هذا المخطط قانونيا بطلب ختم المصادقة عليه رسميا من أمانة المدينة المنورة لكي يمضوا في تسويقه؟ هل يكفي أن يحضر أي إنسان مخططا – كيفما اتفق – ويلقي به بين أيدي المسوقين ليعتبروا الأمر مقضيا ومسلما به؟ أليسوا على دراية، منذ سنين طوال، بأنه لا بد من وجود مصادقة الأمانة على كل مخطط قبل التسويق؟!
هذه أسئلة مهمة لكيلا يجيء يوم غد قريب تعلن فيه أمانة مدينة أخرى ذات الحكاية إن لم يحدث في المدينة المنورة نفسها من جديد.. والأسئلة ليس غايتها طبعا الإجهاز على حالة البيع الوهمي هذه فحسب، وإنما على حالة التناسخ لمثلها التي ينبغي أن يتم استقصاء أسباب حدوثها هنا أو هناك.
ومع ذلك يبقى للصحف أيضا حظها من المساءلة ودورها فيما حدث ويحدث؛ إذ كيف تبادر الصحف إلى الإعلان عن مخططات أو مساهمات وهمية قبل التثبت من حقيقة ما تعلن عنه؟ ألا تعلم الصحف أنها بذلك تدخل طرفا في توريط الجمهور في شراك هذا النصب والاحتيال؟ أليس من المهم أن تصر الصحف عند طلب الإعلان فيها عن أي مخطط كهذا المخطط على أن تطلب من المعلن ما يثبت وجود وصحة وقانونية هذا المخطط؟ وإذا كانت الصحف قد تتعذر في كون مثل هذا الطلب لا صيغة له قانونية موجودة، ولم يتم إخطارها بضرورة التقيد والاحتراز، أو أنها لا تعرف الجهة المسؤولة التي ينبغي الاتكاء عليها في الحصول على هذا المستند المطلوب لمثل هكذا إعلان، وإذا كان هذا هو الحال، فلماذا لا يتم الشروع فورا بإيجاد الجهة والصيغة لإلزام الجميع للتقيد به؟!
إن التسويق الوهمي للمخططات أو المساكن والمساهمات وغيرها من حيل النصب الكبرى تتطلب نظرة فاحصة من قبل مجلس الشورى كتقنين وتحديد صلاحيات، كما تتطلب إجراء واضحا من قبل الجهات ذات العلاقة سواء أمانات المدن أو وزارة التجارة أو مجالس المناطق.. فمثل هذا السياق الوهمي الذي يقع ضحيته الكثيرون والذي ما إن نحسبه توارى حتى يطل برأسه من جديد حاصدا ضحايا جددا يستدعي فعلا المبادرة إلى معالجة جذرية لا تترك بعدها مجالا لنصاب أو محتال دون أن ينفضح أمره قبل أن يطول بضرره أحدا!!
