على الرغم من أن أغلبية القطاعات في مصر تعرضت ـــ ولا تزال ـــ للأضرار؛ من جراء تواصل الاحتجاجات الواسعة، بحيث إن مليار دولار أمريكي يضيع كل ثلاثة أيام، ورغم أن التهديد الناجم عنها، بلغ حتى القطاع الغذائي، إلا أن السياحة تتصدر قائمة القطاعات المتضررة، ليس فقط من حيث حجم الأموال الضائعة والوظائف المفقودة، بل أيضا من جهة المصاعب التي ستواجه هذا القطاع في استعادة رواده، خصوصا إذا ما عرفنا أن ما يقرب من 100 ألف سائح وزائر، كانوا يخرجون يوميا من مصر في الأيام العشرة الأولى للاحتجاجات؛ هربا من الاضطرابات وبحثا عن ملاذات سياحية أخرى أكثر أمنا لهم، علما بأن أحدا منهم لم يتعرض للأذى، بأي حال من الأحوال. لكن ليس مطلوبا من السائح ـــ أي سائح ـــ أن يأتي إلى أماكن يشعر فيها بالتهديد، حتى إن كان التهديد وهميا.
استطاعت مصر خلال العقود الماضية أن تبني صناعة سياحية جيدة، رغم أن عملية البناء كانت بطيئة، فيما لو قورنت ببلد كتونس أو المغرب. وتمكنت مصر، بعد الانتهاء من مرحلة البناء هذه، من الفوز بأكثر من 12 مليون سائح سنويا، ونجحت في الحفاظ على هذا المستوى، بل الارتقاء به، على صعيدي العدد والمرافق والخدمات السياحية. على ماذا حصلت البلاد من وراء ذلك؟ حصلت في العامين الماليين 2009 و2010 على أكثر من 15 مليار دولار أمريكي سنويا، رغم سيطرة الأزمة الاقتصادية العالمية على هذين العامين، وانعكاساتها على القطاع السياحي العالمي بشكل عام. وفي عام 2008 بلغ الدخل السياحي أكثر من 12.5 مليار دولار. وقبل اندلاع الاحتجاجات الراهنة، كان القائمون على القطاع السياحي المصري، يأملون أن يحقق القطاع نموا في العام الجاري بنسبة 5.5 في المائة على أقل تقدير.
لكن لا يبدو في الأفق، أن ذلك يمكن أن يتحقق بعد الاحتجاجات. فما بُني على مدى أعوام، انهار ـــ وفي أحسن الأحوال تصدع ـــ في ظرف أيام. لكن هذا لا يعني أن مصر لن تستطيع استعادة خسائرها السياحية. ستستعيدها، لكن ليس بالسهولة التي يتمناها المصريون. ولأن القطاع السياحي من أكثر القطاعات حساسية فيما يرتبط بالسمعة، بل حتى الشائعات، فإن الأمر يحتاج إلى وقت للعودة إلى ما كانت عليه السياحة قبل الاحتجاجات. وهذا ما يجعلنا نفهم أن السياحة في مدن كشرم الشيخ والغردقة والأقصر، تضررت بصورة كبيرة جدا من الاحتجاجات، برغم أن هذه الأخيرة كانت متركزة في قلب القاهرة وعدد من المحافظات الكبرى.
من حق المصريين أن يخافوا على هذا القطاع وعلى سمعته, ومن حقهم أن يأسفوا أيضا على ضياع جهود كبيرة مثابرة بذلت في بنائه. فهذا القطاع يقدم للخزانة العامة أكثر مما تقدمه قناة السويس نفسها، ويشغل ما يقرب من 2.5 مليون مصري، كما أنه يقدم مصر للعالم، بأوجهها: التاريخي، الثقافي، الفني، والحضاري. سيعاني القطاع ـــ لا شك ـــ أزمة لن تكون قصيرة، في مرحلة ما بعد الاحتجاجات. وستضطر البلاد إلى شن حملات لتسويق نفسها سياحيا في المرحلة المقبلة، وللتأكيد لأي سائح بأنها لا تزال آمنة ورحبة، وقبل هذا وذاك، أنها لا تزال مصر الموجودة بتاريخها وحضارتها وبصروحها السياحية المنتشرة في كل البلاد. الأمر يحتاج إلى العمل بكل الوسائل والإمكانات المتاحة، من أجل أن تحتفظ مصر بشعارها لزائرها ''البيت بيتك''.
