لقد كسدت بضاعة الوحدة العربية، ليس لأن العرب لا يملكون مقومات وجودهم كأمة تجمعها قواسم مشتركة، هي: الأرض، اللغة، التاريخ، والثقافة، فضلا عن المقومات الديموغرافية والجغرافية والاقتصادية والثقافية والاستراتيجية، إنما كسدت بفعل منهج الغوغائية السياسية وأحلام الزعامة، وبضآلة المكون المعرفي والعقلي في الذهنيات التي كانت مأخوذة بأحلام اليقظة أكثر من العملانية والواقعية.
لكن كساد بضاعة الوحدة العربية لم يفلح أيضا في أن ينجو التكامل العربي من الكساد، أو هو قاب قوسين أو أدنى، فرغم المؤسسات والمنظمات العربية القائمة أو خارجها على مستوى العالم العربي ككل أو على مستوى أقاليمه وتجمعاته بين آسيوي، إفريقي، وخليجي، رغم كل هذه المؤسسات ما زال حجم التجارات البينية بين الدول العربية بلا وزن أو حجم يتناسب مع القدرات والطموحات والاجتماعات الدورية، وما يحيط بها من لقاءات تمهيدية وأوراق عمل ومذكرات ومحاضر جلسات، والأمر نفسه ينطبق على الاتجار في مجال التربية والتعليم والنشاط الثقافي والإعلامي، إذ لا يزال بنيان المجال التعليمي رجراجا هشا، تتداخل فيه علمية العصر نظريا مع الموروث التقليدي كحشو تلقيني في الكم، وكتصادم للمنهج العقلي والعلمي كمضمون، فضلا عن تضارب معلوماته في الصدقية عن مميزات هذا البلد العربي أو ذاك، إما للتقادم والإشكالية، وإما لتسلل يد السياسة المغرضة. أما الثقافة والإعلام العربي فقد بقيا حتى اليوم من حيث الإنتاج والقيمة متدنيين جداً، يحتلان مراتب متأخرة في المنظومة العالمية مع شبه غياب لمشاريع مشتركة عربياً في هذين المجالين!!
وفي المشاريع الإنتاجية ـــــ الزراعية والصناعية والتقنية ـــــ فرغم التباين في حجم ونوع المتوافر منها وتواضعه بشكل عام على المستوى العربي، إلا أن شبكة العلاقات بين الدول العربية في هذه المجالات سواء في التشارك في الإنشاء والتمويل والعمل والإدارة أو في التنسيق للتكامل فيما بينها، حيث يتولى مشروع مرحلة إنتاجية، وتؤدي مشاريع عربية أخرى المراحل التالية أو حتى تفيد من المنتج داخل السوق العربية كمكون يسهم في إثراء الحراك الاقتصادي عربيا.. فإن كل هذا المنظور يكاد يكون مفقوداً عن التحقيق، فالمشاريع التي تقام في الصناعة والزراعة في هذا البلد العربي أو ذاك كثيرا ما تستهلك دورتها الإنتاجية في تخبط تصريف إنتاجها، فيتبدد بين الداخل وما يقدر له من فرص في الخارج باجتهادات توفيقية لا خطة لها ولا أسس استراتيجية تحكمها، ومن ثم يذوي المشروع ويذبل، وتصبح جدواه الاقتصادية متدنية، تجهز عليها في الغالب البضائع الأجنبية التي تنفتح لها أبواب الاستيراد على مصاريعها.
لقد استهلكت السياسة على مدى سبعة عقود، منذ إنشاء الجامعة العربية وما تلاها من منظمات ومؤسسات عربية عامة بالعرب ككل أو خاصة بمجموعة عربية بعينها.. استهلكت السياسة كل مبادرات التكامل العربي، وهي اليوم لا تعمل إلا بأقل من الحد الأدنى، وبما يشكل مفارقة كبرى ومؤسفة مع حجم الإمكانات والمقومات المتاحة لهذا التكامل.
وفي كل حين تتهيأ الفرص لطرد السياسة من المشهد كعقبة أمام التكامل العربي، تعود فتدلف إلى الميدان إما في بداية الطريق أو في بعض مراحله، فيتوقف ما كان مقررا إنجازه حتى تعدى ذلك من كونه صفة لازمت العمل بين حكومات الدول العربية إلى مؤسسات القطاع الخاص، وإن كان هذا الأخير ما زال أقدر على النجاح بقليل منها.
هذا الوقع الخاص بإهدار امتيازات التكامل العربي يهدر من ناحية القدرات المحلية في كل بلد مثلما يهدر بالتبعية فرصة أن تكون للعرب قوة اقتصادية علمية ثقافية تعينهم على تحقيق مكانة لهم فيها، تعينهم على الاختراق السياسي وتماسك النظام العربي ليكون له ثقله المعنوي والإجرائي في عصر التكتلات وصراع المصالح الغاشم.
