كل المشكلات التي يواجهها العالم اليوم باتت معولمة, فأزمة الرهن العقاري والمساكن التي بدأت في أمريكا، سرعان ما تحولت إلى أزمة اقتصادية عالمية ما زال العالم إلى اليوم يعانيها ويعاني ويلاتها وآثارها السلبية. ومشكلة تقلص مساحة الغابات في البرازيل ودول أخرى تسهم إلى حد كبير في إنتاج ظاهرة ما يسمى الانحباس الحراري, الذي هو اليوم المشكلة البيئية الأكبر التي يواجهها العالم. ومن المشكلات التي كان كثير يعتقد أنها من المشكلات المحصورة والمحدودة وليست لها آثار خارج حدودها الجغرافية مشكلات الدول المنهارة, وهي دول انفرط فيها النظام؛ إما بسبب ضعف الدولة نفسها، وإما بسبب حدوث حروب أهلية فيها, لكن عدم الانضباط هذا أو الانفلات الأمني كانت له انعكاسات سلبية على العالم. ولعل من أكثر هذه الجوانب السلبية التي تأثر بها العالم، ظاهرة احتجاز الرهائن، واختطاف السفن التجارية في عرض البحر, فانهيار الصومال كدولة وكنظام أدى إلى ظهور جماعات مسلحة تتقاتل فيما بينها, وهذه الجماعات في حاجة إلى أموال لتمويل نفسها وتجهيز أفرادها لمواجهة الآخرين, وبما أن للصومال حدودا بحرية طويلة فإن هذه الميزة الجغرافية أغرت الجماعات المسلحة بامتهان تجارة الاختطاف واحتجاز السفن، ومن ثم الدخول في مفاوضات مع الدول والشركات التي تعود إليها هذه السفن للإفراج عنها مقابل أموال كبيرة. وهناك دول أخرى يضعف فيها النظام وتكثر فيها عصابات الجريمة المنظمة، ويتسبب هذا الضعف أو الخلل الأمني في انتشار ظاهرة اختطاف الأشخاص، وبالأخص الأجانب العاملين في الشركات العالمية التي لها أعمال واستثمارات فيها, وتتم معالجة هذا الاختطاف أيضا بدفع فديات مالية للجماعات المتورطة في هذه العمليات.
الملاحظ من قبل المراقبين أن عمليات الاختطاف واحتجاز السفن باتت تزداد سنويا, فعلى الرغم من وجود أساطيل حربية لدول كثيرة بالقرب من الساحل الصومالي، إلا أن الجماعات الصومالية ما زالت عندها القدرة على أن تعترض السفن التجارية وتخطف بعضها وبمعدلات مقلقة لدول العالم. العام الماضي 2010م, كان الأكثر في عدد السفن المختطفة من بين السنوات السبع الأخيرة. هناك اقتناع عالمي قوي بأن اختطاف السفن أربك حركة التجارة البحرية في العالم، وحمّلها تكلفة اقتصادية كبيرة في الوقت الذي تحتاج فيه دول العالم إلى التقليل من نفقاتها للخروج من أزمتها الاقتصادية الراهنة, لا بل هناك من يربط ظاهرة الاختطاف واحتجاز السفن بتمويل العلميات الإرهابية ومنظمات الجريمة الدولية. المسألة باتت أكبر وأوسع من أن ينظر إليها على أنها مشكلة انفلات أمني وعدم استقرار في دولة ما.
ظاهرة الاختطاف واحتجاز السفن صارت محل اهتمام العالم, وبالأخص شركات التأمين, فهذه الظاهرة باتت تكلف العالم أكثر من مليار ونصف مليار دولار سنويا. وهذه التكلفة تشمل نفقات التأمين على السفن والأفراد, التي ارتفع ثمنها وزاد الإقبال عليها من قبل الشركات العالمية بسبب اتساع الظاهرة. ولعل أبرز شركة عالمية في هذا المجال هي شركة لويدز البريطانية, وتشمل هذه التكلفة أيضا الأموال التي تدفع للجماعات المختطفة، وأجور وأتعاب الجهات التي تتفاوض مع هذه الجماعات, فبعض التقديرات تشير إلى ما نسبته تقريبا ثلاثة أرباع الشركات العالمية الكبيرة التي عندها اليوم بوليصات تأمين ضد الاختطاف والاحتجاز.
كما هو الحال مع أي مشكلة عالمية لا تنفع الحلول المنفردة والمؤقتة, فمشكلة الاختطاف واحتجاز السفن باتت اليوم مشكلة عالمية, وهي في حاجة إلى جهد عالمي وتنسيق دولي, وثانيا أنها في حاجة إلى معالجة جذرية تتلخص في إعادة النظام والاستقرار إلى هذه الدول المنهارة مثل الصومال. دول العالم بدأت تنسق فيما بينها لتأمين الخطوط البحرية, وهذه خطوة مطلوبة, والمطلوب أكثر هو أن تكون هناك خطوات أخرى لمعالجة هذه الظاهرة التي أصبحت لها أبعاد اقتصادية وأمنية عالمية.
