ربما نكون هنا في المملكة من أكثر الدول إنفاقا على البنى التحتية .. هذه حقيقة تشهد بها مختلف موازنات الدولة المتلاحقة، وخططها الخمسية، غير أن قصور بعض الجهات التنفيذية عن القيام بواجباتها كما ينبغي أدّى بالنتيجة إلى رسم تلك الصورة المهتزة عن واقع بنية الخدمات في بعض المناطق، الأمر الذي استفز مشاعر خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ـــ يحفظه الله .. إثر كارثة جدة الأولى قبل نحو 14 شهرا، ودفعه لاتخاذ قرارات صارمة لمعالجة الأوضاع هناك ومحاسبة المقصرين، لكن .. بعدما تكررت الكارثة مرة أخرى وفي الموقع ذاته مما كشف عن خلل تخطيطي يسبق معضلة التقصير .. وصدرت التوجيهات الملكية الكريمة بتشكيل لجنة رفيعة المستوى برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز .. النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، وتسخير إمكانات الدولة كافة لضمان سلامة الأهالي والمقيمين ومعالجة أوضاعهم وصرف التعويضات، إلى جانب دراسة واقع الأحياء المتضررة، ورفع التوصيات على عجل .. كان لا بد أن يتم التعامل مع الموقف بصيغة أخرى تعالج المشكلة من جذورها، وتعمل على تقصي الخلل والحيلولة دون تكرار حدوث مثل هذه الكوارث، فجاءت جولة سمو الأمير نايف الميدانية على المواقع المتضررة لتأخذ القيادة زمام المبادرة للوقوف على الحقيقة، ما يعني أن ملف هذه القضية قد انتقل إلى القيادة مباشرة لوضع تلك التوجيهات موضع التنفيذ، ومحاسبة كل المقصرين .. حيث ترأس سموه الكريم اجتماع اللجنة الوزارية المعنية إنفاذا لتوجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، ونائب خادم الحرمين الشريفين الأمير سلطان بن عبد العزيز، حفظهما الله، بشأن مواجهة آثار ما تعرضت له محافظة جدة نتيجة هطول الأمطار الغزيرة عليها، وما واكب ذلك من خسائر جسيمة أدت إلى الكثير من الأضرار الخطيرة على الإنسان والمكان، حيث أقرت اللجنة عددا من التوصيات شديدة الأهمية، والتي تجاوزت في مضامينها كل بيروقراطيات الأداء الوظيفي للجهات المعنية، وصولا إلى برنامج عمل متكامل يشمل الإغاثة وتوفير أماكن الإيواء، وصرف التعويضات، وحصر الأضرار، ومعالجة العشوائيات، وتصريف السيول ودرء أخطارها، والاستعانة بمكاتب استشارية عالمية متخصصة في دراسة تصريف الأمطار والسيول، وأكد سمو الأمير نايف أنه سيعلن قريبا عن المتهمين بالتقصير من الجهات والأفراد.
هذه الخطوة العملية التي قام بها سمو النائب الثاني لترجمة توجيهات خادم الحرمين الشريفين، وسمو نائبه، ومن ميدان الحدث .. وما أفضت عنه من توصيات وقرارات .. تحمل في مضامينها الكثير من الدلالات والمؤشرات التي يجب التوقف عندها، حيث تبعث برسالة قوية إلى الجهات الخدمية كافة في مختلف المواقع، وإلى كل المسؤولين التنفيذيين تتركز على ضرورة تغيير نمط إدارة العمل الخدمي، والتي يجب أن تنتقل إلى الميدان مباشرة، لتقف على ما يحدث على الأرض سواء في متابعة المشاريع أو معالجة ما قد يعترض تنفيذها من عقبات، وأن متابعة العمل عبر التقارير وحدها أو من خلال المكاتب لم تعد تتلاءم مع طبيعة المرحلة التي تقتضي حضور المسؤول في ميدان العمل الفعلي وعلى الطبيعة .. وحينما يقف النائب الثاني، والرجل الثالث في الدولة في ميدان الحدث .. فهذا يعني أن قيادة الوطن لا تريد من المسؤول أيا كان موقعه أن يبقى خلف التقارير والأوراق .. قدر ما يكون على رأس جهازه حيث يجب أن يكون في موقع الخدمة، لحماية مقدرات الوطن، وضمان وضع ما تنفقه الدولة من أموال سخية في موقعها الصحيح دون تقصير أو تهاون، لتجنب وقوع مثل هذه الكوارث مستقبلا، لا قدر الله .. كما أن جولة سموه الكريم وإعلانه عن قرب تسمية المتهمين بالتقصير من الجهات أو الأفراد في قضية جدة، يعكسان حقيقة الدفع باتجاه المتابعة من جهة والمحاسبة من الجهة الأخرى، لقطع الطريق على أي تهاون أو تقصير أيا كان مصدره، ضماناً لحق الوطن والمواطن في وصول تلك الخدمات إليه بالصورة التي ارتضتها القيادة، وسخرت لها كل الإمكانات.
