الأربعاء, 4 نوفمبر 2026|23 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

هل سبق أن سأل أحدكم نفسه: ما الذي يجعل بندول الساعة يستمر في التأرجح لفترة زمنية لا بأس بها بدفعة واحدة قد لا يهم أن تكون قوية ولكنها كافية لتحريكه؟!

إن من السنن الكونية الفيزيائية أن يكون لكل شيء دائم الحركة مصدر للطاقة يعمل على تغذيته بشكل مستمر، ولتحقيق الاستخدام الأمثل لهذه الطاقة بكفاءة وبشكلٍ اقتصادي، فإن الأمر يستلزم إيجاد وسيلة لتدوير هذه الطاقة بشكلٍ دائمٍ كما يحدث في بندول الساعة، وذلك من أجل المحافظة على هذه الطاقة من النفاد، ولا يستثنى البشر من ذلك بالطبع!

وفي حالة البشر فإن المعرفة هي ما يشبه الدفعة الأولى في البندول، والمعرفة طاقة عقلية كجميع الطاقات الفيزيائية الموجودة في الكون، إذ بدونها لا تتولد هذه الحركة الابتدائية للعقل فتجعله قادراً على الإنتاج. ولكن المعرفة ككل الطاقات أيضاً قابلة للاستهلاك ولكن بطريقة مختلفة نوعاً ما عن الطاقة الفيزيائية، لكونها لا تنضب وإنما تتقادم مع مرور الوقت، وبالتالي تتطلب قدراً كبيراً من العمل الدؤوب على المواكبة والتجديد من أجل أن يستمر العقل في الإنتاج بشكلٍ منتظم ودائم.

ولا تزال القراءة على الرغم من التحول المعرفي الكبير في الكون، أحد أهم مصادر المعرفة وأكثرها أصالة وقدرة على البقاء، وهي أيضاً النافذة المهمة التي يُبنى عليها مبدأ التعليم التفاعلي في اتجاهين يحتملان القبول أو الرفض، وهو بالطبع مغايرٌ تماماً لأنظمة التلقين بالملعقة. إذ بالقراءة يستطيع الواحد منا أن يرفع من مستوى المعرفة لديه بشكلٍ يضمن بقاء طاقته الإنتاجية على مستويات عالية تتيح له مزيداً من القدرة على العطاء.

ولا شك أن التعطش الدائم للمعرفة لا يعدو أن يكون شكلاً من أشكال الصراع من أجل البقاء، لأن المعرفة قوة أو بمعنى أكثر دقة، فإن المعرفة ما هي إلا شكل من أشكال الطاقة العقلية التي تجعل البشر ينقسمون إلى قادة وأتباع، وأبسط أمثلة هذا الانقسام، العلاقة بين المعلم وتلاميذه، إذ دون وجود هذه العلاقة النفعية بينهما، من حاجة التلميذ إلى المعرفة مع قدرة المعلم على رفع الجهل عن تلميذه، فإن هذا البندول لن يستمر في التأرجح، إلا أن هذه العلاقة المبنية على نقل المعرفة في اتجاه واحد من المعلم إلى التلميذ، لا ينبغي أن تستمر طوال الوقت في مرحلة النضج، إذ يمكن اعتبارها بمثابة الدفعة الأولى للبندول في الهواء لكي يحلق بعد ذلك متناغماً مع الكون في حركة تفاعلية باتجاهين، حيث تكمن خطورة انتقال المعرفة في اتجاه واحد في كونها تسلب المرء القدرة على الاختيار، بل ربما تجعله وعاءً يُملأ بأي شيء وحسب!

ولذا فإن الاكتساب الدائم للمعرفة عن طريق القراءة يؤسس لديك مبدأ مهماً ومنهجاً تسير عليه من القبول أو الرفض، وبالتالي يحميك من التحول إلى ماعون على رفوف المطبخ!

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية