تحمل كل سنة جديدة في جعبتها حصتها من المفاجآت. وقد تكون وسائل الإعلام لا تزال مشغولة بالاضطرابات في تونس التي أنهت على نحو غير مشرف أكثر من 20 عاماً من حكم الرئيس السابق، بن علي، وعائلته. وأما حاكم مصر الذي مضت على حكمه فترة طويلة، فهو على الحبال، مع اختلاف عن تونس، من حيث إن تغييرا في الحكومة في القاهرة تكون له انعكاسات أشبه بالهزة حول العالم. وأثناء ذلك فإن كازاخستان في خضم حملة أصيلة قوية لتمديد فترة حكم الرئيس الحالي حتى عام 2020.
بدأ كل شيء باجتماع لمتحمسين محليين في الجزء الشرقي من البلاد، حين أشار السادة الأشراف إلى ضرورة المحافظة على المكاسب التي حققتها البلاد خلال العقدين الماضيين، وذلك بالسماح للرئيس بأن يظل على قمة هزم السلطة لتسع سنوات أخرى، وبما يتجاوز تاريخ انتهاء ولايته الحالية في عام 2012. وصاغت مجموعة المبادرة التي تمت على عجل اقتراحاً غامضاً لتنظيم استفتاء وطني، حيث تريد أن يتمكن سكان البلاد من التعبير بحرية عن آرائهم في مسألة تعديل الدستور لتجنب الحاجة إلى إجراء انتخابات رئاسية مقبلة. ومن أجل تبرير هذا التحرك، قام بعض الاتحادات المؤيدة لإجراء مثل هذا الاستفتاء بدراسة معمقة لتجارب، وخبرات الديمقراطيات الغربية عندما كان يتعلق الأمر بضرورة إدخال تعديلات على الدستور.
ينص دستور البلاد على أن اقتراح إجراء استفتاء وطني يجب أن يقدم إلى البرلمان من خلال أعضائه، أو بواسطة الحكومة، أو من جانب الرئيس نفسه. وحتى يتمكن المؤيديون من المضي في هذه المبادرة، فإن عليهم أن يجمعوا 200 ألف توقيع على الأقل، وتسليم هذه القائمة إلى الهيئة المركزية للانتخابات من أجل تدقيق أكثر في أهلية أصحاب التواقيع. وإن الأمر المفاجئ في هذه المرة هو أن أناساً يعملون من تلقاء أنفسهم استطاعوا جمع أكثر من خمسة ملايين توقيع بينما كان الناس يتمتعون بإجازة نهاية العام، مع وجود أسرهم داخل البلاد، وخارجها. ومع ذلك، صرح رئيس الهيئة المركزية للانتخابات بأنه لم تسجل أي مخالفة تذكر في إجراءات التسجيل، كما لم يتم التبليغ عن أي أمر متعلق بذلك.
في الوقت ذاته، عقد مجلسا البرلمان اجتماعاً مشتركاً في الرابع عشر من كانون الثاني (يناير)، حيث ناشد أعضاؤهما الرئيس بأن يقبل جولة جديدة من التعديلات الدستورية تسمح له بالبقاء في السلطة من خلال الحصول على موافقة على ذلك بإجراء استفتاء وطني. وكان من الطبيعي أن يقبل الرئيس بذلك، تماماً كما فعل في العام الماضي في جو أحاطت به الكياسة، حين منحه البرلمان لقب ''زعيم الأمة''، وكل ذلك التمجيد، وتلك الامتيازات التي تتخطى الواجبات الرئاسية. ويجب ألا ننسى أن التعديلات الدستورية التي تبناها برلمان الحزب الواحد في عام 2007، جعلت للرئيس الحق، وللمرة الأولى، في الترشح للرئاسة لعدد غير محدود من المرات. وهنالك بين الحين والآخر موجة من الانتقادات من جانب المجتمع الدولي التي تخلو من أي محتوى، حيث إنه ليس هنالك مراقب خارجي يعمل بصوة مستقلة، أو مع غيره، يريد أن يدخل في مواجهة من أجل تحقيق الديمقراطية في جمهورية نائية من جمهورية آسيا الوسطى.
كانت هنالك مفاجأة أخرى تالية لذلك حين أقر البرلمان بصفة جماعية التعديلات الأخيرة، مع أن المطلوب هو أربعة أخماس عدد الأعضاء. وكان أعضاء البرلمان يردون بذلك على اعتراض الرئيس على تلك التغييرات. غير أن القصة انتهت حين لجأ الرئيس إلى استشارة المجلس الدستوري، وسؤاله عمّا إذا كان هنالك أي شكل من أشكال عدم الاتساق مع القوانين السائدة. وعلى المرء أن يفترض شكل إجابة جهة الرقابة الدستورية في هذا البلد.
مما لا شك فيه أن الرئيس سوف يتمتع بدعم كبير من ناخبي البلاد في الانتخابات الرئاسية لعام 2012، كما أن هنالك تقديراً لجهوده الخاصة بالتكامل الإقليمي، والتنمية الاقتصادية، والتحرر التدريجي. وقد سبق لمستشار الرئاسة، إرتسباييف، أن قال لوسائل الإعلام المحلية، قبل فترة وجيزة، إن الرئيس يفضل أن يرشح نفسه في الانتخابات الرئاسية لأنه يرى في ذلك لحظة مهمة في التاريخ الانتخابي لهذه البلاد. ويبدو أن شيئاً ما قد تغير في الأوساط العليا للسلطة، الأمر الذي أدى إلى موجة عالية من التأييد الشعبي الذي تمثل بالعديد من اللقاءات العامة، وعقد المؤتمر الصحفية في طول البلاد وعرضها.
أثناء ذلك أبدت الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي مخاوف عميقة إزاء فكرة الاستفتاء الوطني الذي يرى فيه زعماء هذه الدول أنه يمكن أن يصبح بديلاً للحق الطبيعي للمواطنين في الانتخاب، أو في أن يتم انتخابهم. وأدان السفير الأمريكي السابق في كازاخستان، ريتشارد هوغلاند هذه المبادرة أثناء آخر مؤتمر صحافي عقده قبل مغادرته للبلاد، بينما أصدر الاتحاد الأوروبي إعلاناً تضمن عبارات شديدة اللهجة تدعو أعضاء البرلمان في هذا البلد إلى إعادة النظر في قرارهم، وسحب التعديلات الدستورية المقترحة.
إن ما يحدث الآن في كازاخستان يمكن أن تكون له آثار على نطاق واسع خارج حدود هذا البلد. وقد أثبتت منظمة الأمن والتعاون الأوروبية، التي كانت كازاخستان تترأسها عام 2010، أنها غير قادرة على تبرير وجودها حتى في أوقات السلام النسبي. وبينما تسعى كازاخستان إلى تحويل الانتخابات الرئاسية إلى خيار أبسط، وأوسع، ولكنه أكثر تسبباً في الشك، فإن مصداقية هذه المنظمة تتلقى ضربة شديدة. وتأتي هذه الضربة في أعقاب انتقاداتها لأحداث انتخابات شهدتها روسيا البيضاء، حيث تم إغلاق مكاتبها في العاصمة منسك.
من المفاجآت الكبرى التي شهدتها كازاخستان خلال العقد الجديد، ذلك الارتفاع الشديد في أسعار السلع الذي اتضح تماماً في أواسط كانون الثاني (يناير)، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية الرئيسية من بطاطا، ودقيق، ولحوم إلى أكثر من ضعفين ونصف عمّا كانت عليه خلال فترة قريبة. وبينما تزداد حدة المخاطر على نحو مستمر، يرى بعض السكان أن الحكمة هي ما يجب أن يسود في هذه الأيام، سواء في الأسواق، أو على مستوى السياسات العليا.
خاص بـ «الاقتصادية»
حقوق النشر: Oponion Asia
