الأربعاء, 4 نوفمبر 2026|23 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

نواصل حديثنا عن الدراسات المقارنة وفوائدها، وكنا توقفنا عند الإشادة بدور الشريعة الإسلامية في التفكير القانوني، ولا شك في أن الاعتراف العالمي بمكانة الشريعة الإسلامية بين النظم القانونية العالمية إنما يرجع إلى اتباع منهج الدراسة المقارنة التي أدت إلى التعرف على مبادئ هذه الشرعية وتأثيرها في التفكير القانوني الغربي. يقول سانتيالانا DESANTILLNA: من الأمور الإيجابية التي اكتسبناها من التشريع العربي - يقصد الإسلامي - هذه الأنظمة القانونية العديدة مثل الشركات المحدودة المسؤولية (القراض)، وهذه الأساليب المتصلة بالقانون التجاري، وحتى لو نحينا هذا كله جانبا، فمما لا شك فيه أن المعايير الخلقية الراقية لجوانب معينة من هذا التشريع قد ساعدت على إحداث التطوير المناسب لكثير من مفاهيمنا الحديثة، وفي هذا تكمن العظمة الدائمة لهذا التشريع.

وينادي المستشار ROBERT H.JACKSON قاضي المحكمة العظمى SUPREME COURT في الولايات المتحدة بضرورة أن يتجه طلاب الدراسات القانونية في الغرب إلى بذل جهد أوفر في الاهتمام بالتشريع الإسلامي؛ نظرا لتزايد العلاقات التجارية والسياسية القائمة بين البلاد الإسلامية والبلاد الغربية. وانتهت محكمة العدل الدولية الدائمة في حكمها الصادر في 23/8/1958 إلى الإشادة بأحكام الشريعة الإسلامية، والإشارة إلى أنها أحد الأنظمة القانونية الراقية في العالم الحديث. ومن قبل ذلك انتهى مؤتمر الفقه الإسلامي الذي انعقد في كلية الحقوق جامعة باريس عام 1951 إلى أن مبادئ الفقه الإسلامي لها قيمة تشريعية لا يمارى فيها، وأن اختلاف المذاهب الفقهية في هذا النظام القانوني العظيم ينطوي على ثروة من المفاهيم الفقهية، وصناعة هي مناط الإعجاب، يتيحان لهذا التشريع الاستجابة لمطالب الحياة الحديثة والتلاؤم مع حاجتها.

ويشير مشيل دي توب إلى: تأثير هذه الروح الإنسانية والخلقية التي جاء بها الإسلام وتجسدت في فلسفته الفقهية وفضلها على أوروبا في العصر الوسيط، حيث يذكر بما كانت تعانيه البشرية من بؤس وتعاسة، وتأثير القواعد التشريعية الإسلامية الرامية إلى تخفيف وطأة الحروب على غير المقاتلين في التخفيف من هذه المعاناة.

وإذ يرجع الفضل في تقدير التشريع الإسلامي على المستوى العالمي إلى الدراسة المقارنة، فإنه لا صحة للنظر إلى المقارنة بين الشريعة والقانون على أنها تقلل من شأن مصدر الشريعة الإلهية، وتنزل بها على المستوى البشري الإنساني، خاصة إذا عرفنا أن كثيرا من القوانين المعاصرة تشترك مع الشريعة الإسلامية في أساسيات كثيرة، بل قد يستمد القانون الوضعي من الشريعة الإسلامية أصولا، كما قررنا ذلك سلفا في مقال "مذهب الإمام مالك بن أنس والقانون الفرنسي"، وبهذا الواقع قرر بعض المفكرين في كتبهم ونصوا على أن التجديد الفقهي المنشود يكمن في أن الدراسة المقارنة تجلي من مزايا الشريعة ومن ثراء الفقه ما يجعلهما محل تقدير واحترام الجهات العلمية العالمية. ويقف مؤلف المقارنات التشريعية سيد عبد الله علي حسين في صف هؤلاء الذين سبقت الإشارة إلى أقوالهم بأن الفقه الإسلامي قد أسهم في ترقية الفكر القانوني الغربي.

ج - من جهة أخرى، فإن للدراسة المقارنة آثارا عملية عديدة، من بينها تيسير التقنين المنهجي لأحكام الفقه الإسلامي؛ لما يفيده من إثبات أوجه الاتفاق والتعرف على المصالح في السياقات الاجتماعية الحديثة. وكذلك، فإن للدراسة المقارنة أهميتها في تطبيق أحكام الفقه الإسلامي في البلاد الإسلامية العديدة - التي تضمنت دساتيرها النص على اعتبار الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للتشريع؛ ذلك أن إثبات مخالفة نص قانوني لمبادئ الشريعة الإسلامية على النحو الذي تفيده الدراسة المقارنة يستوجب الحكم بعدم مشروعية هذا النص القانوني والعمل على تغييره وإحلال غيره مما لا يكون مخالفا لهذه المبادئ محله. وبهذا، فإن إثبات جوانب الاختلاف بين النظام الفقهي والقانوني مما يساعد على تطبيق النصوص الدستورية القاضية بأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع. وبهذا يتضح أن للدراسة المقارنة أهميتها التي لا تنكر على الصعيد النظري والعملي على السواء.

إن الواقع العملي في حياتنا يتطلب من ذوي الشأن، سواء في الجامعات المتخصصة أو الجهات القضائية أو المجالس التشريعية، وعلى رأسها شعبة الخبراء في مجلس الوزراء، الاعتناء التام بالدراسات المقارنة، وأخص بذلك المواضيع التفصيلية وليس العناوين العامة؛ لأن الدراسات التفصيلية هي التي تنشئ بيئة فقهية قانونية متماسكة قادرة على مواجهة متطلبات الحياة في التنظيمات الإدارية أو التجارية أو غيرها.

وهذه التنظيمات تعود على راحة الناس الحياتية في ظل الانفجار المدني لعالم التقنية والآلة وغياب الإنسان والروح. ولعل هذه المقالات تسهم في معرفة مزايا الدراسات المقارنة وآثارها في الحياة العلمية والعملية، ولعلها تكون دعوة إلى الكليات الشرعية في المملكة لإعادة المناهج الدراسية وإضافة بعض المواد في الأنظمة مثل مادة المدخل للأنظمة ونظرية الالتزام ونظرية الحق وبعض المواضيع في القانون التجاري مثل نظرية العمل التجاري، والشركات، والأوراق التجارية. ولذلك أسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد والسعادة والهناء في الدنيا والآخرة.. رحماك يا رب وعفوك يا الله.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية