الأربعاء, 4 نوفمبر 2026|23 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

بذلت حكومة خادم الحرمين الشريفين، جنبًا إلى جنب مع قطاع المال والأعمال جهودًا كبيرة خلال السنوات الماضية؛ لخلق فرص عمل جديدة جعلت المملكة من أوائل دول العالم بين البلدان النامية في استحداث وظائف جديدة.. وبالرغم من أنها تعد أكبر مصدر للنفط في العالم، ولديها أقوى اقتصاد على مستوى المنطقة العربية، إلا أن البيانات الرسمية الأخيرة تظهر ارتفاعاً في معدل البطالة بين السعوديين. فقد أكدت مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات، أن نسبة البطالة بين السعوديين وصلت إلى 10.5 في المائة، بعدما ارتفع عدد العاطلين عن العمل من الجنسين إلى نحو 448 ألف فرد، 44.2 في المائة منهم من الحاصلين على الشهادة الجامعية (درجة البكالوريوس). في مقابل ملايين العمالة الوافدة، التي تشغل وظائف في جميع القطاعات الاقتصادية الحكومية والأهلية على السواء!

ورغم الجهود المبذولة؛ والاستراتيجيات التي وضعتها الدولة للحد من البطالة، عن طريق برامج "السعودة"، وكذا تشجيع الشركات على توطين الوظائف، وبرامج التدريب التي يوفرها صندوق تنمية الموارد البشرية، إلا أن الكثير من الشبان والفتيات؛ ما زالوا يجدون صعوبة في العثور على وظائف سواء في القطاع الحكومي أم الخاص؛ ويحق لنا أن نتساء‍ل: ماذا قدَّم القطاع الخاص للحد من تنامي البطالة بين الشباب والفتيات، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، والتحول المثير والكثير من الأمور، التي كانت تعد سابقًا كماليات إلى مستلزمات أساسية؟!

ولكن من ناحية أخرى، دعونا نتفق أن معظم المنشآت التجارية التي تستوعب بعضًا من العمالة السعودية الشابة، منشآت صغيرة ومتوسطة، قد لا تتوافق مع طموحهم من حيث التطور والتقدم والترقي المهني؛ فضلاً عن انعدام الرواتب والحوافز التي قطعًا، قد لا ترقى، ولا تفي بالتزامات البعض منهم، ما يشير إلى مسؤولية الشركات الكبيرة، التي، بدلاً من أن تشجّع العمالة الوطنية، وتمنحهم امتيازات كبيرة، من رواتب وحوافز وبدلات، ومسكن وسيارة ورعاية طبية له ولأسرته؛ تقوم بتوفير ذلك كله للعمالة الوافدة؛ فضلاً عن تحايل بعض من هذه الشركات توظيف السعوديين والسعوديات، بدوام جزئي، وليس دوامًا كاملاً، حتى يوفّروا مصاريف التأمينات الاجتماعية والطبية والبدلات مستغلين للأسف الشديد (عوز) هؤلاء إلى فرصة عمل وهذا الدوام الجزئي!

أضف إلى ذلك أن المجتمع بأسره، يتحمّل جزءًا من أسباب هذه العطالة، حيث للأسف الشديد، تفتقر مجتمعاتنا العربية والإسلامية حاليًا لثقافة المهنة؛ ولذلك خرجت أجيال وأجيال تفتقد أخلاقيات العمل! مع تفشي روح الاتكالية أو الكسل، والشعور المتوهم المستمر بالثراء السريع! ومن المؤكّد أن هذا الموضوع قد قُتل بحثًا، ولكننا اليوم، يمكن أن نؤكّد على أن من أهم الأسباب التي تقف وراء عدم توظيف هذا الكمّ الكبير من الشباب والفتيات، حتى الآن العامل الذاتي لهؤلاء، هو تقاعسهم عن البحث والسعي الدؤوب عن فرصة العمل التي تناسبهم، رغم وجود هذه الفرص بكثرة خاصة بعد الطفرة الاقتصادية الكبيرة خلال السنوات الخمس الأخيرة.

ولعل إحدى هذه الفرص تكمن في تجارة التجزئة التي فاجأتنا صحيفة "الاقتصادية" بتفجير ملفها على مدار أربع حلقات ناجحة في إطار حملتها المظفّرة.. هذه التجارة التي يعد تجاوز حجم تداول سوقها في المملكة العربية السعودية التي تعد من أكبر الأسواق في المنطقة بحجمه نحو 100 مليار ريال، ومستمر في النمو بمعدل (6 في المائة) سنويا. وذلك حسبما أوضح تقرير "ما مدى عالمية تجارة التجزئة ؟" الذي أعدته سي بي ريتشارد أليس، العام الماضي 2010، أن السعودية تجتذب الآن 43 في المائة من علامات التجزئة العالمية التي تم إجراء المسح عليها، وقد أخذت الآن مكان وجهات معروفة جيداً لتجارة التجزئة مثل هونج كونج، روسيا واليابان.

وتنهض تجارة التجزئة، بدور مهم في اقتصاديات الدول، وتستوعب نسبة كبيرة من العاملين، حيث تشكِّل نسبة العاملين في قطاع التجزئة في أمريكا، على سبيل المثال، (11.6 في المائة) من مجموع العاملين، وهو بلا شك قطاع كبير يضم الكثير من الموظفين. والتوظيف في تجارة التجزئة يعطي شاغلها الفرصة الأولية لأخذ المسؤوليات التسويقية. وقد لا يكون المقابل المادي في هذه الوظائف مغريًا في البداية، إلا أنه قد يكون الطريق الصحيح في سلم الوظائف التسويقية. فمَنْ يصدِّق أن هذه التجارة الوطنية، ما زالت مخطوفة لصالح الوافدين؟! رغم توافر الوظائف المتاحة في هذا الشأن، خصوصًا لدى كثير من الشركات التجارية الكبرى، التي لم تُقصِّر في جذب بعض الشباب المؤهل والمدرّب، وتعقد دورات تدريبية متخصصة دوريًا؛ في إدارة المحال التجارية؛ والبائعين؛ والعارضين؛ ومساعد المشتري؛ ومدير قسم؛ ومساعد رئيس قسم؛ وإدارة البضائع.. هذه الوظائف وغيرها تتطلب مهارات خاصة، مثل: القيادة؛ ومهارات الاتصال؛ والقدرة على العمل في بيئة سريعة؛ وقوة التحمل، فضلاً عن خلفية أكاديمية في إدارة الأعمال ويفضل في التجزئة.

فماذا فعل شبابنا خاصة أن أغلبية فرص العمل المتوافرة تتطلب وجود خبرة أو دورات تدريبية؟ لا شيء اللهمّ إلا التوظيف الوهمي؛ لسد خانة نسبة السعوديين الموظفين لديها، إرضاءً للجهات الرسمية التي تطالب بتخصيص نسبة معينة من الوظائف للمواطنين أو ما يعرف بـ "السعودة"! مقابل مبلغ مقطوع دراهم معدودات، مقابل أن يسجل اسمه في سجل الموظفين لديها ويجلس في بيته ويصله الراتب كل شهر!

أزعم بعد تأكيد جهود الدولة، بنسبة كبيرة تتجاوز الـ 75 في المائة في الحد من البطالة أن الدور المهم والأكبر، ما زال معقودًا على جهود الشباب أنفسهم، وقدرتهم على تطوير ذاتهم ومهاراتهم والبحث بجدية عن العمل اللازم؛ ومن الضروري والمهم ألا يلتفتوا، في مسيرة بحثهم، وسعيهم إلى العمل، إلى المزاعم المتوهمة بالراتب المنشود والوظيفة التي ترضي طموحاتهم؛ فهذا خطأ لأنه من الممكن البدء بوظيفة صغيرة للحصول على الخبرة من الواقع العملي ومن ثم التحول إلى فرص أكبر.

وأعتقد أن الشباب السعودي، إذا ما تنبّه وتقدّم وطوّر من ذاته، ومن فنون الاتصال لديه؛ سيدحض كل الحجج الواهية والدعاوى الباطلة لبعض أرباب القطاع الخاص من عدم توافر الكفايات الوظيفية المطلوبة بين المواطنين لشغل الوظائف الشاغرة لديهم التي تشغلها العمالة الوافدة، التي ربما لا تحدّ فقط من فرص توطين الوظائف فحسب، بل تستحوذ على نصيب كبير من اقتصاد المملكة، ويبدو ذلك ظاهرًا في تنامي تحويلاتهم إلى الخارج التي تجاوزت الـ 120 مليار ريال سنويا مصدرها القطاع المهمل!

وأتفق مع ما ذكره رئيس التحرير الزميل عبد الوهاب الفايز، تعليقًا على سيطرة العمالة الوافدة على تجارة التجزئة على أن موجة البطالة القادمة في مجتمعنا لن نتمكّن من مواجهتها، والحد من أخطارها إلا عبر إعادة ترتيب أوضاعها؛ والبدء بخطوات حاسمة وجريئة ومؤلمة لإدماج السعوديين في هذا القطاع، وإنهاء سيطرة العمالة الوافدة التي تديره عبر التستر التجاري! خاصة بعد موافقة مجلس الشورى أخيرا على توصية تدعو وزارة العمل إلى التنسيق مع الجهات المختصة بوضع خطة زمنية متدرجة لسعودة وظائف قطاع تجارة الجملة والتجزئة؛ وكذا دراسة تحديد مستوى أدنى للأجور لبعض المهن في قطاعات التشييد، والصناعة، وتجارة الجملة والتجزئة، اجتذابًا للعمالة السعودية.

وما زلت أرى أن أكثر من نصف المشكلة، حلها بيد الشباب، الذين يجب عليهم أن يعوا الدرس جيدًا، وأن يتجهوا إلى التدريب والتأهيل لنيل الفرصة التي يستحقونها.. وأهمس في أذن مسؤولي القطاع الخاص أن يبادروا بتسلم مسؤولياتهم الوطنية، وأن يمنحوا شباب الوطن، وفتياته الفرصة، مشفوعةً بالتشجيع والتحفيز، وتوفير الأمان الوظيفي، حتى يتمكّنوا من بذل كل طاقاتهم في العمل الشريف، وخدمة الوطن في قطاعه الاقتصادي والتجاري والمالي..

فهل يستجيب الجميع إلى نداء الوطن، والعقل، والضمير؟! .. إنا منتظرون!

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية