الثلاثاء, 3 نوفمبر 2026|22 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

''من الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدل الأمصار ومرور الأيام. وهو داء شديد الخفاء, إذ لا يقع إلا بعد أحقاب متطاولة. فلا يكاد يفطن له إلا الآحاد من أهل الخليقة. وذلك أن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال. وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول. سنة الله تعالى التي خلت في عباده.

هكذا نظر ابن خلدون إلى علم الاجتماع والتاريخ في مقدمته الشهيرة, مؤكداً أهمية عدم تجاهل الماضي عند رسم ملامح المستقبل. يعد ابن خلدون من أشهر العلماء في اتباع منهجية قراءة الماضي لرسم ملامح المستقبل. كيف لا وهو المنشئ الأول لعلم الاجتماع عندما عالجت أبحاثه المظاهر الاجتماعية بأسلوب إبداعي أسهم في ربط المؤشرات الحالية بالتطورات المقبلة.

ألقت أبحاث ومقدمة ابن خلدون بظلال تأثيرها على كثير من علماء الاجتماع والاقتصاد. من هؤلاء العلماء عالم الاقتصاد الروسي كوندراتيف عندما عكف على دراسة الظواهر الاقتصادية التي مرت بالاقتصاد العالمي الحديث في محاولة لتفسير حالات النمو والتباطؤ الاقتصادية التي حلت منذ منتصف القرن الثامن عشر حتى بداية القرن العشرين.

خرج كوندراتيف بنتيجة مفادها أن الاقتصاد العالمي الحديث مر بخمس موجات متسلسلة. راوحت الموجة الواحدة في طولها قرابة 50 و60 عاما. تشابهت هذه الموجات في الخواص والسلوك والتأثير، وتباينت في المحركات الرئيسة لنموها وتباطؤها الاقتصادي.

أطلق كوندراتيف على الموجة الأولى عصر الثورة الصناعية، وحدد بدايتها في 1771. وأطلق على الموجة الثانية عصر الآلات البخارية والسكك الحديد، وحدد بدايتها في 1829. وأطلق على الموجة الثالثة عصر الحديد والكهرباء والصناعات الثقيلة، وحدد بدايتها في 1875. وأطلق على الموجة الرابعة عصر النفط والسيارات والإنتاج الغزير، وحدد بدايتها في 1908. وأطلق تلاميذ كوندراتيف على الموجة الخامسة عصر المعلومات والاتصالات، وحددوا بدايتها في 1971.

أحد هؤلاء التلاميذ العالم النمساوي شمبتير, حيث رغب شمبتير في تفصيل الموجات الخمس أعلاه على الاقتصاد المحلي بهدف تفسير التباين بين نمو وتباطؤ اقتصاد محلي عن أقرانه من بقية الاقتصادات المحلية.

خرج شمبتير بنتيجة مفادها أن كل اقتصاد محلي يمر بأربع موجات صغيرة في الوقت ذاته الذي يمر فيه الاقتصاد العالمي الحديث بالموجة الكبيرة. تعيد هذه الموجات الأربع الصغيرة نفسها في كل موجة كبيرة. يراوح معدل طول الموجة الصغيرة نحو عشرة أعوام. وتجسد كل موجة صغيرة حالة الاقتصاد المحلي من حالات النمو والتباطؤ، ومنشأ تحدياته وآفاقه.

وجد شمبتير أن الموجتين الصغيرتين الأولى والثانية موجتا نمو، وأن الموجتين الصغيرتين الثالثة والرابعة موجتا تباطؤ. كما وجد في السياق ذاته فيصلا بين موجات النمو والتباطؤ عبارة عن حالة انهيار اقتصادي مؤقت تصيب الاقتصاد المحلي بسبب عدم استيعاب مقوماته المستجدات المحيطة به.

كثيرة هي الفوائد التي نستنتجها عند قراءة سجل رحلة عبور الاقتصاد السعودي موجته الخمسينية الأولى (1950 ـــ 2000) من منظور أبحاث وأدبيات العلماء ابن خلدون، وكوندراتيف، وشمبتير. مر الاقتصاد السعودي خلال رحلة عبور الموجة الخمسينية الأولى (1950 ـــ 2000) بأربع موجات صغيرة، راوحت الواحدة في طولها قرابة عشرة أعوام، وجسدت في رحلتها حالة من النمو والتباطؤ، ومنشأ التحديات والآفاق.

صنفت الموجة الصغيرة الأولى (1960 ــ 1970) والثانية (1970 ــ 1980) على أنهما موجتا نمو، أسهمتا في ضخ الوقود الكافي لعبور الموجة الخمسينية الأولى بنجاح. وصنفت الموجة الصغيرة الثالثة (1980 ــ 1990) والرابعة (1990 ـــ 2000) على أنهما موجتا تباطؤ، أسهمتا في إعادة الأولويات بما يضمن السيطرة على تحديات تلك الفترة.

أشار الدكتور عبد العزيز الدخيل في كتابه ''النظام المصرفي وأداؤه في المملكة العربية السعودية'' (لندن ـــ 1995) إلى العديد من التطورات الاقتصادية التي أسهمت في إيصال الاقتصاد السعودي إلى المكانة المرموقة التي يتبوأها في الوقت الراهن ضمن الاقتصاد العالمي.

تميزت الخمسينيات الميلادية من الألفية الماضية بأنها مرحلة تأسيس. فأسس القطاع المصرفي، واعتمد احتياطي الذهب كعملة وطنية، ودشنت مشاريع البنى التحتية الأولية. أسهمت هذه التطورات في التوسع في عمليات التمويل، مسببةً ضغوطاً على مستويات السيولة، والتضخم، والدين العام، وواضعة الاقتصاد السعودي على بوابة الموجة الصغيرة الأولى (1960 ـــ 1970).

تميزت الستينيات الميلادية من الألفية الماضية بأنها مرحلة نمو. من أهم التطورات إحكام السيطرة على مستوى التضخم، والقضاء على الدين العام، وإصدار الريال السعودي. أسهمت جميع هذه التطورات في وضع الاقتصاد السعودي على بوابة الموجة الصغيرة الثانية (1970 ـــ 1980).

تميزت السبعينيات الميلادية من الألفية الماضية بأنها مرحلة رشد. من أهم التطورات بداية مراحل التخطيط الاقتصادي، وإعادة رسم خريطة التوزيع السكاني، ونمو عائدات النفط بشكل غير مسبوق حتى سجل الناتج المحلي الإجمالي معدل نمو سنوي بمقدار 8 في المائة، وواضعاً الاقتصاد السعودي على بوابة الموجة الصغيرة الثالثة (1980 ـــ 1990).

تميزت الثمانينيات الميلادية من الألفية الماضية بأنها مرحلة تباطؤ. من أهم التطورات زيادة التوتر السياسي في منطقة الخليج، وانخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية، وتراجع الناتج المحلي الإجمالي من 622.2 مليار ريال في 1981 إلى 357.1 مليار ريال في 1989، واضعاً الاقتصاد السعودي على بوابة الموجة الصغيرة الرابعة (1990 ــ 2000).

تميزت التسعينيات الميلادية من الألفية الماضية بأنها مرحلة تباطؤ. من أهم التطورات زيادة التوتر السياسي في منطقة الخليج، وانخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية إلى أدنى مستوياتها في 1998، وتعديل أهداف الخطط التنموية الخمسية بما يضمن استدامة التنمية والسيطرة على تحديات تلك الفترة.

تميز العقد الأول من الألفية الحالية بأنه مرحلة إعادة تأسيس للموجة الخمسينية الثانية (2000 ـــ 2050). من أهم التطورات إعادة هيكلة قطاع الخدمات المالية، وتخصيص مجموعة من القطاعات الحيوية، ونمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 1.409.1 مليار ريال في 2009.

نتفاءل بمرور الاقتصاد السعودي خلال العقد الحالي (2010 ــ 2020) بمرحلة متميزة ـ بعون الله ـ تدعونا إلى تفسير المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسة الحالية لرسم الملامح المقبلة، وإعداد المقومات الكفيلة باغتنام فرص الغد وبلوغ آفاقه.

ومع الأخذ في الاعتبار تغيّر معايير وقياسات الماضي عن معايير وقياسات المستقبل، مع بقاء السياق الاقتصادي ذاته، فإن عملية التفسير، والرسم، والإعداد تستأنس برأيك عزيزي القارئ حول أكثر موجات الاقتصاد السعودي السابقة تشابهاً مع العقد الحالي (2010 ـــ 2020)؟

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية