الثلاثاء, 3 نوفمبر 2026|22 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

كتبت قبل أكثر من شهر وتحديدا في يوم السبت 1432/01/5 هـ. الموافق 11 كانون الأول (ديسمبر) 2010 العدد 6270 مقالا بعنوان: المسارات الحرجة للسيول, وبينت أن هناك مسارا حرجا للسيول, ولا بد للعمران أن يراعي هذا المسار ويمشي وفق ما خطط له حتى نهايته، إلا أننا نجد أنه في كثير من المدن والقرى يتم طمر هذا المسار وتنشأ معه مسارات أخرى تكون حرجة مع أول قطرة ماء من السماء. وأذكر أني في ذلك المقال كتبت أن ''المسألة ليست أمرا سهلا يمكن السكوت عنه، وسيل جدة ليس ببعيد عنا''. وها هو السيل قد عاد هذا العام بأكثر من ذي قبل وأصبحت معدلاته في هذه السنة أكثر والأضرار أكبر.

ولك أن تطالع المقالات التي كتبت خلال هذا الأسبوع واليوم يكون قد مضى على الحدث سبعة أيام كاملة لنتبين معه حجم المشكلة والمعاناة والأضرار التي تسبب فيها هذا السيل. ولذا أعتقد أن المسؤولية تقع في المقام الأول على من سمح لهذه المخططات أن تقام على تلك الممرات المائية دون أي اعتبار للسيول أو وضع لها حلولا تحول دون أن تتسبب في أضرار على الأرواح أو الممتلكات.

وإضافة إلى ذلك المقال كانت هناك صفحة للمشروعات وكان الموضوع الرئيس فيها هو إدارة مخاطر السيول.. مَنْ المسؤول؟ وكانت أيضا عن أن احترام الممرَّات المائية الطبيعية ضمن مخططات العمران يَقِي من الكوارث.

إن ما شاهدناه في سيول جدة هو التجاهل الكبير للممرات المائية للسيول وبنيان العمران ورسم المخططات عليها وطمر تلك الممرات ابتداء وعدم الاعتبار لها ووضع بدائل لصرفها عن تلك الأحياء مما نتج عنه صعوبة وضع الحلول الوقتية التي تفشل مع أي سيل جارف. إن السيول التي تنزل في المملكة لا تعد سيولا بمعدلات مرتفعة، وهي في الغالب تأتي فترة محددة قصيرة إذا ما قارناها بدول كشرق آسيا وأوروبا وغيرها، ولذا فإنه من المحزن أن تكون لهذه السيول البسيطة أضرار على عمران المدينة وطرقاتها. ولو قدر أنه وقت التخطيط للمدينة أو القرية تمت مراعاة الطبوغرافية الجغرافية لهذا المسار ولم يمس، لما كانت هناك حاجة إلى مشروع واحد من مشاريع تصريف السيول، ذلك أن الماء وطبيعته يتبع مساره المنخفض ليذهب بنفسه إلى مجرى الوادي، دون أن نحتاج إلى مضخات أو نجيش جيشا من سيارات (الوايتات) لنقله من موقع إلى آخر.

وجدة بالذات مدينة ساحلية إذ إن الماء بطبيعته الفيزيائية سيذهب إلى البحر، وإذا لم توضع أي حواجز تصده عن أن يذهب إليه لسار بطبيعته إلى البحر ولن تكون هناك أي تجمعات له وسط الأحياء، لقد طمرت خلال الفترة الماضية بقصد الجشع العقاري وزيادة مساحات المخطط تلك المسارات الحرجة للسيول وبنيت فوقها فلل وعمارات، فكانت هذه النتيجة المؤلمة إذ أضر السيل بالمباني وأفسد زبده جميع الممتلكات. إنه بطمر الوادي والممر المائي يصبح الحي بأكمله مسارا حرجا للمياه إذا لم تكن هناك معالجة طبوغرافية له بحيث يصب في مجرى آخر يصنع له وهكذا فالمشكلة تصبح أكبر والمعالجة تصبح أكثر تكلفة وتتضاعف إذا كانت لكل الأحياء وبحجم مدينة. إن دراسة الطبوغرافية للحي ومعرفة حجم الأمطار هناك, ودراسة أي اتجاه ستسير مياه تلك الأمطار في حال هطول معدلات مرتفعة, هو السبيل الأمثل لذلك في وقت التخطيط للأحياء قبل بدئها, فمثلا في حي السفارات في الرياض قامت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض بتطوير ذلك الحي، وتمت مراعاة كل الأودية التي في الموقع، وليس هذا فحسب بل إن تلك الأودية أصبحت إضافة بيئية رائعة للحي بوضع بعض المتنزهات التي تطل على تلك الأودية. وهو مثال رائع لتصريف تلك السيول من خلال التعامل الصحيح مع البيئة، واحترام تلك الأودية ومساراتها، وجعل المياه تنساب منها إذا جاءت السيول على المنطقة. وهو مثال يحتذى في مثل هذه البيئة التي تكون الأمطار فيها قليلة، لكن لا بد أن نحتاط لها بمراعاة مجاريها، وهو درهم وقاية أفضل من قنطار علاج.

إن ما نقوم به اليوم هو معالجة لمشكلة تمت بسبب ما ذكرته آنفا من طمر تلك المسارات ولذا فالعلاج بكل تأكيد هو أكثر تكلفة من مشروعات الوقاية لهذه المشكلة. وهو في نظري يسبب هدرا للمال العام الذي كان يمكن حفظه لو تمت مراعاة تلك الممرات المائية وصرفت بشكل طبيعي لها ولم نحتج معه إلى معالجة. وأما العمل مع الأحياء التي طمرت فيه تلك الممرات فإنه لا بد أن تكون المعالجة أيضا صحية وسليمة لا أن تطمر هي الأخرى كما طمر الوادي والممر وتصبح المسؤولية على طمر تلك المشروعات.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية