الثلاثاء, 3 نوفمبر 2026|22 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

في إسطنبول هذا الأسبوع، سوف يستأنف ممثلو إيران ومجموعة الـ''5+1'' (الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إضافة إلى ألمانيا)، تحت قيادة كاثرين أشتون الممثلة العليا لشؤون الاتحاد الأوروبي الخارجية، المحادثات حول البرنامج النووي الإيراني. ومن غير المرجح أن يشهد الأمر أي إنجاز مفاجئ، ولكن النتيجة قد تكون مواتية أكثر مما يتوقع العديد من الناس.

في تشرين الأول (أكتوبر) من عام 2009، تم التوصل إلى تفاهم أولي، وبموجبه كان من المفترض أن يُسَلّم اليورانيوم الإيراني المنخفض التخصيب إلى روسيا لتخصيبه بدرجات أعلى وتحويله إلى قضبان وقود لاستخدامها في مفاعل طهران البحثي. ولكن هذا الاتفاق تعثر بسبب السياسات الداخلية الإيرانية: حيث نجح خصوم الرئيس محمود أحمدي نجاد السياسيين في عرقلته. ولكن هل يتكرر الشيء نفسه مرة أخرى؟

إن أحمدي نجاد، الذي أصبح ضعيفاً للغاية بعد ما أثارته إعادة انتخابه في عام 2009 من جدال، تمكن الآن من دعم موقفه. ولا يزال ممثلو نظامه يشعرون بالقلق إزاء ما ينظرون إليه باعتباره محاولات مدعومة من الخارج لتنظيم ''ثورة مخملية'' في البلاد، ولكن المخاوف ضئيلة إزاء التحديات الداخلية الجديدة.

ولقد عبر أحد المفكرين المحافظين عن الأمر قائلا: ''صحيح أن مليوني شخص نزلوا إلى الشوارع بعد الانتخابات، ولكنهم كانوا ناخبين وليسوا مقاتلين. وصحيح أنهم انتقدوا الوضع، ولكن لا أحد منهم يريد تغيير النظام بالقوة''. أو بعبارة أخرى، لا توجد رغبة لتمكين المجتمع المدني والمعارضة.

إن العديد ممن احتجوا ضد النظام في عام 2009 تحرروا من الوهم. بل إن الأشخاص العاديين لا يخفون احتقارهم للنظام، ولكنهم يرون أيضاً أن احتجاجات العام الماضي الحاشدة باءت بالفشل. ولقد انسحب العديد منهم إلى دائرته الخاصة ـــ التعليم والثقافة للبعض، والتجارة للبعض الآخر. ولقد تزايدت أعداد طالبي تأشيرات الخروج، الأمر الذي يشير إلى استعدادهم للإقامة لفترات محدودة أو مطولة في الخارج.

وفي حين تستمر القيادة الإيرانية في قمع المعارضين الليبراليين، فإنها تشعر بالقدر الكافي من الأمان للتحدث عن ''المصالحة'' مع أجزاء من المعارضة ''الموالية'' ـــ خصوم أحمدي نجاد المحافظين والميالين إلى الإصلاح الذين يريدون في الوقت نفسه الحفاظ على النظام الإسلامي. وفي داخل معسكر الرئيس أيضا، هناك مناقشات حول مرحلة ما بعد أحمدي نجاد والخلفاء المحتملين له في منصبه ـــ ولكنهم جميعاً يفترضون إجراء انتخابات رئاسية عادية في عام 2013. ولكن حتى ذلك الوقت، وعلى الرغم من الانتقادات الحادة المتكررة لأدائه، فإن الرئيس يُعَد مفوضاً بالحكم.

إن التأثيرات المترتبة في الجولة الأخيرة من العقوبات الدولية المفروضة على إيران غامضة بعض الشيء: فقد أضعفت البلاد، ولكن لا يبدو أنها أضعفت أحمدي نجاد. صحيح أن انسحاب الشركات الأوروبية كان سبباً في تأخير الاستثمارات الضرورية وإرغام الشركات الإيرانية على البحث عن بدائل أقل تميزا، خاصة في الصين وروسيا. والأسعار آخذة في الارتفاع، والمزيد من المعاملات تُجرى نقدا، والمزيد من الشخصيات التجارية المثيرة للشكوك تتوافد على إيران من مختلف أنحاء العالم. ولكن في حين لا ينكر المسؤولون الحكوميون أن العقوبات تثير قلقهم، فإنهم يشيرون إلى الاحتياطيات الإيرانية الضخمة من العملات الأجنبية، وإبداع الإيرانيين في التكيف مع التأثيرات السلبية الناجمة عن العقوبات. فضلاً عن ذلك فإن أحمدي نجاد يستخدم العقوبات كغطاء سياسي لملاحقة سياساته السليمة اقتصاديا ـــ رغم افتقارها إلى الشعبية إلى حد كبير ـــ التي تتلخص في خفض الدعم على الكهرباء والبنزين والخبز.

ورغم أن الضغوط الاقتصادية من غير المرجح أن ترغم النظام على التخلي عن تخصيب اليورانيوم، فإن الإجماع بشأن العقوبات بين الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والتحركات من جانب الاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية لتشديد العقوبات، كانت مؤثرة إلى حد كبير. والأهم من كل ذلك أن العقوبات كانت سبباً في تعزيز وضع هؤلاء من بين أهل النخبة الذين يفضلون المفاوضات، وإضعاف وضع هؤلاء الذين ينتقدون بشدة مصلحة أحمدي نجاد غير المخفية في التعامل مع الغرب، خاصة الولايات المتحدة.

وبالنسبة لأحمدي نجاد وأنصاره فهناك سببان رئيسان للتعامل مع الولايات المتحدة. الأول أنهم يدركون أن التفاهم مع الولايات المتحدة سوف يحظى بقدر كبير من الشعبية، خاصة بين الشباب المتعلمين ومجتمع الأعمال. والثاني أن أحمدي نجاد والقيادات السياسية يعتقدون أن النظام معرض لتهديد خطير من جانب الولايات المتحدة ـــ والولايات المتحدة فقط.

والواقع أن المسؤولين الأمريكيين كثيراً ما يستخفون بهذه النظرة إلى التهديد الأمريكي والشكوك العميقة في نوايا الولايات المتحدة، ولكن هذه الشكوك تمثل عاملاً قوياً في تشكيل السياسات الإيرانية. وفي حين يبدو أهل النخبة الحاكمة الإيرانية منقسمين حول احتمال التقارب وإقامة علاقات ودية كاملة مع الولايات المتحدة، فإنهم يشتركون في هذه المخاوف الكامنة من أمريكا، ولا يريدون لبلدهم المزيد من العزلة.

ونظراً لهذه الخلفية، فمن المحتمل تماما ألا تعمل السياسة الداخلية الإيرانية هذه المرة على تقويض اتفاق جديد لمبادرة اليورانيوم الإيراني المنخفض التخصيب بقضبان الوقود لمفاعل طهران البحثي. والواقع أن مجموعة الـ''5+1'' لديها مصلحة في خفض المخزون الإيراني من اليورانيوم المنخفض التخصيب وخطر استخدامه عند نقطة ما لأغراض عسكرية. وإيران من جانبها لديها مصلحة في تأمين الإمدادات من قضبان الوقود لمفاعل طهران البحثي وقبول المجتمع الدولي الضمني لجهودها في تخصيب اليورانيوم، فضلاً عن التعامل مع الولايات المتحدة.

إن أي اتفاق من هذا القبيل لن يصبح ممكناً إلا إذا كان مرضياً لمصالح الجانبي. ولا شك أن الأمر قد يصبح أيسر كثيراً إذا بدأت إيران المحادثات بالالتزام بإنهاء جهودها لتخصيب اليورانيوم إلى مستوى العشرين في المائة. والواقع أن المسؤولين الإيرانيين يقرون بعدم وجود غرض (مدني) لمثل هذا المستوى من التخصيب إذا تم إنتاج قضبان الوقود لمفاعل طهران البحثي في روسيا.

ومن بين الإشارات الواضحة التي قد تدلل على اعتزام إيران تسوية النزاع إن يتم إحراز تقدم على مسار تصديق البرلمان الإيراني على البروتوكول الإضافي لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية. أما مجموعة الـ''5+1'' فيتعين عليها أن تشير إلى أن التوصل إلى اتفاق في نهاية المطاف، على أساس ''القدر الأدنى من التخصيب والقدر الأقصى من الضوابط''، أمر ممكن.

إن الاتفاق بشأن مبادلة قضبان الوقود باليورانيوم المنخفض التخصيب لن يحل النزاع النووي بين إيران والغرب، ولكنه سوف يكون كافياً لفتح الباب أمام العملية الدبلوماسية التي قد تصل في نهاية المطاف إلى جوهر المشكلة ـــ تخصيب اليورانيوم في إيران ومخاطر التحول نحو أغراض عسكرية. وإذا سارت المحادثات في إسطنبول على ما يرام، فقد تخدم كخريطة طريق للمزيد من المفاوضات، ليس فقط فيما يتصل بالقضية النووية، بل وأيضاً حول أفغانستان، والشرق الأوسط، والإرهاب. حتى لو لم توفر هذه المحادثات سوى الوسيلة للمشاركة الثنائية بين الولايات المتحدة وإيران، فإن هذا في حد ذاته كاف لإثبات استحقاقها لكل هذا الجهد.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2011.

www.project-syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية