الأربعاء, 4 نوفمبر 2026|23 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

قبل عامين كان العالم ينظر إلى رؤساء البنوك المركزية في مختلف أنحاء العالم باعتبارهم أبطالا بسبب جهودهم في منع الأزمة المالية من التحول إلى أزمة كساد أعظم ثانية، لكن البنوك المركزية اليوم أصبحت موضعا للانتقاد الشديد وبات استقلالها خاضعا لضغوط شديدة في عديد من بلدان العالم، خاصة في منطقة اليورو، كما أشار ماريو دراجي رئيس بنك إيطالي المركزي أخيرا.

إن نوعية الشخص الذي يحتل أعلى منصب في أي بنك مركزي تشكل دوما أهمية كبرى - لكن هذه الأهمية أصبحت اليوم أعظم من أي وقت مضى؛ وذلك لأن الأزمات المالية تهدد دوما استقلال البنوك المركزية.

ففي الولايات المتحدة، يبدو الأمر وكأن بنك الاحتياطي الفيدرالي لا يحظى بأي دعم إلا من قِبَل إدارة أوباما. فقد أبدى الكونجرس ازدراءه للأسلوب الذي تعامل به بنك الاحتياطي الفيدرالي مع الأزمة، وفي كانون الثاني (يناير) الجاري، سيتولى النائب رون بول من تكساس رئاسة واحدة من اللجان الإشرافية الرئيسة التابعة للكونجرس، ومن المعروف عنه أنه يعتقد أن وجود بنك الاحتياطي الفيدرالي مخالف للدستور. والواقع أن أكثر من نصف الأمريكيين يريدون أن يكون للساسة رأي أكبر فيما يتصل بإدارة السياسة النقدية - وهو احتمال مخيف في ضوء السجل التاريخي.

ونظرا إلى الفترة الطويلة المحتملة من النمو الاقتصادي المتدني المستوى، وزيادة الضغوط على الموارد المالية العامة في منطقة اليورو، والمناقشة الدائرة بشأن مستقبل اليورو، فقد أصبح البنك المركزي الأوروبي، أكثر من أي وقت مضى، بمثابة الخط الأخير في الدفاع عن العملة الأوروبية المشتركة. والواقع أن الأمر يتطلب وجود رئيس صارم للبنك المركزي الأوروبي وغير مستعد للرضوخ للضغوط السياسية.

أثناء الأزمة المالية، كان البنك المركزي الأوروبي تحت ولاية رئيس متميز، في شخص جان كلود تريشيه. لكن فترة ولايته غير القابلة للتجديد ستنتهي في تشرين الأول (أكتوبر) 2011، ولن ينتظر زعماء أوروبا إلى اللحظة الأخيرة لاختيار رئيس جديد، بل لقد بدأت بالفعل المساومات وتحديد المواقف بين بلدان منطقة اليورو.

ويتعين على رئيس البنك المركزي الأوروبي في المقام الأول والأخير أن يكون بارعا في التعامل مع الأمور النقدية. ولقد دفعت الأزمة المالية الحالية بقضية الإشراف المصرفي إلى الصدارة، لكن السياسة النقدية، وليس الإشراف المصرفي، هي علة وجود البنوك المركزية، في حين تستطيع هيئة المخاطر الشاملة الأوروبية المؤسسة حديثا أن تتعامل بشكل جيد مع البنوك، فهي الهيئة التي أصبحت مسؤولة عن الإشراف على المخاطر الشاملة في أوروبا بداية من الأول من كانون الثاني (يناير) 2011.

فضلا عن ذلك، وخلافا للمعتقد الشائع، فإن رئيس البنك المركزي الأوروبي لا يفترض أن يكون دبلوماسيا بدرجة كبيرة بالضرورة، لكن ينبغي له أن يكون قادرا على توحيد جميع أعضاء مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي. ومع تزايد الضغوط السياسية المفروضة على البنوك المركزية، بما في ذلك البنك المركزي الأوروبي، فإن رئيس البنك المركزي الأوروبي لا ينبغي له أن يتردد في انتقاد الساسة الأوروبيين، إذا لزم الأمر، والتشهير بهم وفضحهم علنا. فاستقرار البنك المركزي الأوروبي لا بد أن يشكل الأصل الأعظم - وهو أصل لا غنى عنه في واقع الأمر. ولا بد أن يكون رئيس البنك المركزي الناجح قادرا على أن يقول للساسة ''لا''.

هذا لا يعني أن رئيس البنك المركزي الأوروبي لا بد أن يفتعل الشجار كلما أمكنه ذلك، بل إنه على النقيض من ذلك لا بد أن يكون قادرا على بناء الدعم لاستقلال البنك المركزي الأوروبي، لكن يتعين عليه أن يتبع القول المأثور الذي ورد على لسان أول رئيس للبنك المركزي الأوروبي فيم دويسنبرج: ''بوسعي أن أسمعهم، لكني لا أنصت لما يقولون''.

وينبغي لرئيس البنك المركزي الأوروبي أيضا أن يعتمد على دعم غالبية الأوروبيين، لكن من المؤسف أن البلد الأصلي لرئيس البنك يشكل أهمية بالغة في هذا الصدد. فبما أن نائب رئيس البنك المركزي الأوروبي الحالي من جنوب أوروبا (البرتغال)، فإن الرئيس التالي للبنك المركزي الأوروبي لا بد أن يكون من شمال أوروبا. فليس بوسع أي مرشح من غير ألمانيا أو هولندا أو البلدان الإسكندنافية الأعضاء في منطقة اليورو، مثل فنلندا، أن يعتمد على دعم الألمان له، وهو أمر حاسم إلى حد كبير.

لا شك أن منطقة اليورو لا تخلو من شخص يتمتع بكل هذه الصفات، بل وهناك أكثر من شخص واحد. ومن المؤكد أن دراجي أحدهم. وهناك غيره من المؤهلين، مثل كلاوس ريجلنج رئيس مرفق الاستقرار المالي الأوروبي، وأكسل ويبر رئيس البنك المركزي الألماني، ويورجن شتارك عضو المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي حاليا.

الواقع أن فرصة دراجي كمرشح ضئيلة بسبب جنسيته الإيطالية وخدمته السابقة في جولدمان ساكس. ويتمتع ريجلنج بخبرات عريضة، لكن ليس فيما يتصل بعمل البنوك المركزية والسياسة النقدية. وكل من يريد شتارك رئيسا للبنك المركزي الأوروبي فلا بد أن يستعين بفريق بارع من المحامين للتوصل إلى الكيفية التي قد يمكن بها تحويل تعيينه الحالي غير القابل للتجديد في المجلس التنفيذي إلى تعيين كرئيس للبنك المركزي الأوروبي من دون مخالفة قواعد البنك المركزي الأوروبي. وفي ضوء بعض التصريحات التي أدلى بها ويبر أثناء عام 2010، فقد يتهم بأنه غير دبلوماسي إلى حد أبعد مما ينبغي.

ويُعَدّ ناوت فيلينك، الرئيس الحالي للبنك المركزي الهولندي، مرشحا غير متوقع، كما هي حال إيركي ليكانين من البنك المركزي الفنلندي. والواقع أن كلا منهما مناسب للمنصب. وبطبيعة الحال، يرجع القرار النهائي إلى رؤساء دول وحكومات أوروبا، لكن من منظورنا نستطيع أن نؤكد أن خليفة تريشيه سيكون أحد ثلاثة مرشحين، ويبر، أو فيلينك، أو ليكانين.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2011.

www.project-syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية