الأمر الملكي الكريم الذي واكب العواصف الممطرة التي شهدتها محافظة جدة يوم أمس الأول.. بلغته الحاسمة واحتشاده الذي وضع جميع إمكانات الدولة وتجهيزاتها في خدمة الأهالي هناك، لمواجهة مخاطر الغرق، وما قد ينجم عنها من أضرار على الإنسان والممتلكات.. يعكس بشكل جلي كيف يعيش هذا القائد الأمين هموم شعبه ومواطنيه، حتى وهو يستكمل نقاهته، حيث يصر على أن يكون حاضرا وقريبا وحاسما في مواجهة أي خطر قد يتعرض له أبناؤه، وكأنه يريد أن يقول إن كل المسافات مهما نأت، وكل الظروف مهما كانت فإنها ستكون أقل من أن تبعده أو تفصله عن مسؤولياته الوطنية تجاه شعبه، خاصة في مثل هذه الظروف المناخية التي تشهدها بعض مناطق المملكة، وفي مقدمتها محافظة جدة، وهو ما لا يستغرب على قائد أعلن بوضوح أنه يجد نقاهته وشفاءه في العمل من أجل وطنه ومواطنيه. والذي يتأمل مفردات الأمر الملكي الكريم يجد أنها تكتظ بمزيج من العاطفة الأبوية والمسؤولية الوطنية والحسم في مواجهة القصور، حيث حشد كل الطاقات للتعامل العاجل والسريع مع الأزمة تفاديا لأن يتعرض أي مواطن أو مقيم للأذى، لأنه تعود أن يتعامل بمفهوم الذمم مع كل مسؤولياته مهما صغرت أو كبرت، وهي مسألة مبدأ كثيرا ما وجدناها تتردد على لسانه، وهو يطالب وزراءه وجميع المسؤولين في مختلف القطاعات بتحمل مسؤولياتهم بذمة نقية وضمير حي، حتى تتم الأمانة التي أراد ـــ يحفظه الله ـــ أن تسير على الوجه الذي يرضي الله، ويريح الضمائر الصادقة.
وحينما يطالب المسؤولين بالعمل ليلا ونهارا لإنهاء هذا الأمر، وتسخير جميع التعزيزات للحد من الأضرار فلأنه ـــ متعه الله بالصحة والعافية ـــ دائما ما يرى أن الوقت هو محك العمل الحقيقي ومعيار بلوغه إلى مرامه، وهو الذي رفض أن يمنح نفسه ولو بعض الوقت للاهتمام بصحته في أدق الظروف، لأن الوقت والأمانة في الأداء هما بالنسبة إليه معيارا الوفاء بالالتزام المسؤول، وهو لا يفعل هذا بمنطق الرجل الذي يتصدى لمسؤولياته وحسب، وإنما لأن ثمة مشاعر أبوية إنسانية تجعله كما لو كان في موقع المواطن المتضرر.. وليس أدل على ذلك من أن كل المواقف التي اتخذهاـــ يحفظه الله ـــ منذ أن تولى مقاليد الحكم.. لا يمكن إلا أن تنحاز إلى هذه القيم النبيلة التي جعلته يحتل شغاف القلوب بين أبناء شعبه ومواطنيه في ظاهرة عشق وطني متبادل، قل أن تتكرر في زمن يصطرع بكثير من الهموم والمعضلات، حتى بات المواطن السعودي والعربي والمسلم في كل مكان يجد في شخصه الملاذ الآمن الذي يستريح إلى قراره ومسؤوليته، كلما ادلهمت الخطوب، إذ فرض بهذه القدرة القيادية الخاصة على الجميع أن ينتظروه، ليبعث الطمأنينة، ويوفر الأمل بغد مشرق لا تغيب عنه شمس الحق، وكرامة الإنسان. لقد ضرب خادم الحرمين الشريفين ـــ أيده الله ـــ بهذا التفاعل العاجل والسخي مع أزمة جدة، كما فعل من قبل، وهو ينهمك في قيادة أعمال الحج، المثل الأجمل على ترجمة معاني المسؤولية وتحويلها إلى برنامج عمل حقيقي لا يستثني جهة دون جهة، لأنه يضع مواطنه في سويداء قلبه، ويأبى أن يُضار أي مواطن أو مقيم على هذه الأرض، بسبب قصور في خدمة أو تهاون في أمانة؛ لذلك جاءت لغة هذا الأمر الملكي الكريم وتوقيت صدوره في ساعة الحدث نفسها، لتقول للجميع إن القائد الكبير الذي ظل حاضرا في كل تفاصيل وطنه، لا يزال يستأنف الحضور وبالقوة نفسها حتى إن لم يكن في الموقع ذاته، ليبقى هكذا، كما هو دائما، يحمل هم كل أبنائه في مواجهة أي طارئ بروح يقظة ونابهة لا تجد ذاتها إلا حينما تكون مع الناس، حيث هم ليس بدافع المواساة أو التخفيف، وإنما بدافع المواجهة التي تجسد أبهى معاني الكرامة التي يريدها الأب لأبنائه.. حفظ الله أبا متعب ومتعه بالصحة والعافية، وحمى الله الوطن وبنيه من كل مكروه.
