الأربعاء, 4 نوفمبر 2026|23 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

أثارت الأحداث التونسية جدلا واسعا حول الدروس المستفادة منها فكريا وسياسيا، ومقارنتها بالحركات العالمية الحديثة، إذ تبدو الحركة التونسية متفردة وذات خصوصية، من حيث طابعها الشعبي العفوي، فهي ليست انقلابا عسكريا تحت عنوان ثورة بقيادة مجموعة من الضباط المغامرين، كما لا يستطيع حزب أو قوة سياسية أو اجتماعية، الزعم بأنها تقف خلف الثورة من حيث التخطيط وتوقيت ساعة الصفر، ومهاجمة القصر الجمهوري والسيطرة على الإذاعة والتلفزيون، كما حدث في انقلابات و''ثورات'' في العديد من الأقطار العربية خلال القرن الماضي، ولم يكن في تونس قيادة جاهزة تتسلم زمام الحكم، فور سقوط النظام القائم، فهي إذن حركة شعبية وطنية بامتياز، من دون أي دعم خارجي، وبلا ''مجلس قيادة الثورة'' أو قيادات سياسية نخبوية، وكانت أحزاب المعارضة والنقابات ومنظمات المجتمع المدني تهرول للحاق بالجماهير الغاضبة وحتى الثورة الفرنسية الأولى 1789، وهي ثورة شعبية قامت بقيادة نخب وطلائع من مثقفي الشعب لتغيير نظام الحكم بالقوة، فكانت الرؤية واضحة نظريا، كما أن الثورة البلشفية في روسيا عام 1917، وغيرها من الثورات في دول أخرى كانت تقودها جهات معروفة تتبنى أيديولوجيات وأفكارا وأهدافا محددة. أما الثورة التونسية، فسيتم كتابة أطرها النظرية بأثر رجعي! ويسجل للجيش التونسي وخاصة قائد القوات البرية الجنرال رشيد عمار قائد أركان جيش البر، الموقف المشرف الذي اتخذه برفض أوامر الرئيس بن علي بالتصدي للمسيرات الشعبية الغاضبة، كما فعلت أجهزة الأمن الأخرى بإطلاق الرصاص الحي، خلال نحو شهر، مما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا، وبالتالي صب المزيد من الزيت على النار! ولو كان الجنرال عمار ضابطا مغامرا، لأغرته لعبة الحكم واستولى على القصر، وأعلن نفسه قائدا للبلاد تحت أي مسمى مستغلا حالة الفراغ السياسي والفوضى التي سادت البلاد بعد فرار الرئيس المخلوع. لكن الجيش اختار الانحياز إلى الشعب والوطن، وأن يسهم في ضبط الأمن وتسهيل انتقال السلطة بطريقة سلمية رغم حالة الإرباك الدستوري والغموض السياسي التي رافقت عملية التغيير.

ولأن مشهد سقوط النظام بسرعة درامية لم يخطر حتى في أذهان الأكثر تفاؤلا فإن ثمة أسئلة تتوالد حول المقدمات والنتائج، فماذا لو لم يصفع شرطي تونسي الشاب ''محمد البوعزيزي'' طالبا منه مغادرة المكان الذي كان يضع فيه عربة لبيع الخضار والفواكه للترزق منها في ساحة عامة يوم 17 كانون الأول (ديسمبر) 2010؟ وماذا لو لم يشعل ''البوعزيزي'' النار في جسده، احتجاجا على'' الصفعة'' ومصادرة بلدية ولاية سيدي بوزيد عربته ورفض سلطات المحافظة قبول شكوى، أراد تقديمها في حق الشرطي، الذي صفعه أمام الملأ؟ وماذا لو تمت محاكة الشرطي ومعاقبته على فعلته؟ هل كانت ستنطلق ثورة شعبية عارمة تطيح بالنظام، بطريقة دراماتيكية غير مسبوقة في العالم العربي؟ وماذا لو لم تطلق أجهزة الأمن الرصاص الحي على المتظاهرين على مدى شهر وتقتل العشرات وتجرح أضعافهم؟ وماذا لو استجاب الرئيس المخلوع سريعا لنبض الشارع وشعارات المحتجين الاجتماعية والسياسية، وفي مقدمتها تحسين الأوضاع المعيشية وإطلاق الحريات؟ هل كان سينتهي به المطاف إلى الهروب وسط الظلام وتتيه طائرته في الفضاءات المفتوحة لساعات كأنها الدهر كله حتى حلفاؤه الغربيون أغلقوا الأبواب في وجهه؟ وهو مشهد أعاد إلى الأذهان هروب شاه إيران السابق عام 1979؟ ماذا وماذا .. وعشرات الأسئلة، لكنها الآن أسئلة افتراضية فات أوانها!

لقد حاول العديد من الأشخاص في مصر والجزائر وموريتانيا استنساخ فعل ''البوعزيزي'' فأحرقوا أنفسهم في أماكن عامة لكنهم لم يفجروا ثورات كما حدث في تونس، وقبل أكثر من عام شهدت بناية كبيرة في العاصمة الأردنية عمان العديد من محاولات الانتحار أقدم عليها بعض الشبان وفتاة احتجاجا على صعوبات ومشكلات معيشية واجتماعية مثل عدم الحصول على فرصة عمل لكنها كانت محاولات استعراضية لأغراض إثارة اهتمام الرأي العام!

وحتى ''البوعزيزي'' لم يكن يتخيل أن إشعال النار في نفسه سيحدث تحولا جذريا في تونس، فقد أقدم على إحراق جسده تحت ضغط الإحباط ودافع الاحتجاج على الظلم الذي لحق به، وبالتأكيد كان يسعى لتسجيل هدف معنوي وسياسي تتناقله وسائل الإعلام ضد السلطات الحاكمة، لكن اللحظة التاريخية كانت مواتية وشاء القدر، ولعل الشعب التونسي استلهم ما قاله شاعره العظيم أبو القاسم الشابي: إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر فأصبح ''البوعزيزي'' رمزا والبعض يسمي الثورة باسمه وآخرون يطلقون عليها ''ثورة الياسمين''. وقد لعب الإعلام البديل عبر شبكة الإنترنت دورا مهما في تعبئة الجماهير التونسية والتحريض على التظاهر والاحتجاج.

والحقيقة التي لا جدال فيها، أن مخزونا هائلا من الغضب والقهر والظلم والتهميش والإفقار، انفجر بفعل الشرارة التي أشعلها ''البوعزيزي'' مضحيا بنفسه وفتحت بابا واسعا للتغيير بعد أكثر من عقدين من الزمن بنى خلالها بن علي دولة بوليسية مارست مختلف أصناف القمع والإقصاء والتعذيب والفساد، وهي حقائق كانت بينة يتحدث فيها مئات المعارضين والحقوقيين ونشطاء حقوق الإنسان الملاحقين والمنفيين وهيئات دولية، ولم تكن تخفى على الرأي العام التونسي والدولي! نظام بن علي أغمض عينيه وأغلق أذنيه، عن كل رأي آخر وشل الحياة السياسية في بلد، شعبه متنور ومنفتح ومتعلم وأقصى وهمش القوى الحية من أحزاب ومنظمات مجتمع مدني ومثقفين وشخصيات وطنية مستقلة! في الليلة الأخيرة قبل الهروب اعترف بن علي بعد فوات الأوان، أن هناك من ''غالطه''! وهو يعني بعض المسؤولين والمستشارين المنافقين والانتهازيين المحيطين به وكانوا يصورون له دنيا تونس ''قمر وربيع''! والأحرى أن الرئيس كان يتلمس نبض الناس وهمومهم عبر قنوات أخرى لكن السلطة مفسدة عندما يتم تغييب الشعب وقواه الحية عن المشاركة الديمقراطية الحقيقية في إدارة شؤون البلاد، والاعتماد على القبضة الأمنية والاستئثار بمقدرات البلاد والعباد وتتداخل السلطة بالثروة ويتصدر المشهد السياسي فيها شريحة من المنتفعين والمنافقين والفاسدين وتغيب الشفافية وآليات الرقابة والمساءلة! ولذلك كان أحد الاستفزازات لمشاعر التونسيين، لماذا تستأثر عائلة بن علي وأصهاره وأقاربه بكل هذا الاعتداء على المال العام، والاستحواذ على ثروات طائلة ومؤسسات ومرافق اقتصادية مهمة؟ فيما تجوع وتعاني من الفقر والبطالة والتهميش والإحباط والهجرة غالبية الناس!

14 كانون الثاني (يناير) 2011، يوم تاريخي بالنسبة للشعب التونسي، فقد قدم نموذجا مجيدا جديرا بالدراسة المتعمقة من قبل النخب السياسية والشعوب التي تعاني الحرمان والظلم والاستبداد وسيتفتح عيون الشعوب العربية التي تعاني الاحتقان ويشحنها بطاقة جديدة ضد الخوف من القمع وهو درس أيضا للقيادات التي يفترض أن تقترب من نبض الناس وتلمس أوجاعهم والعمل أكثر لتحقيق مصالحهم، والاستجابة لمطالبهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية!

ثمة أوجه شبه كبيرة في المعاناة من ارتفاع الأسعار واتساع مساحات الفقر والبطالة والإقصاء السياسي في البلاد العربية، بفعل الفساد وغياب المساءلة والعدالة في توزيع الثروة ومكاسب التنمية. والحقيقة المطلقة التي تغيب عن أذهان البعض هي أن كل شيء إلى زوال وفي عديد من البلدان العربية تبتكر السلطات صيغ وآليات غريبة عجيبة في تشديد القبضة الأمنية والسيطرة على الإعلام وتسخيره للنفاق للنظام وإجراء انتخابات مزورة تنتج برلمانات صورية تصفق لـ ''الحاكم الضرورة''، وعندما تمر البلاد في أزمة يطالب الشعب بدفع الثمن والصبر، وشد الأحزمة على البطون! وهو ما عانت منه عديد من الشعوب العربية جراء برامج التصحيح الاقتصادي، المرتبطة بتعليمات صندوق النقد والبنك الدوليين وتراكم المديونية وعجز الموازنات نتيجة للفساد وسياسات اقتصادية فاشلة عنوانها ''اقتصاد السوق والخصخصة'' تقود البلاد إلى الهاوية. في الدول الديمقراطية ثمة آليات دستورية وقانونية واضحة للحكم، حيث ينتخب رئيس دولة أو حكومة لمدة محددة، أربع أو خمس سنوات ينفذ خلالها من يحكم برنامجه ويخضع لرقابة ومساءلة مجلس تشريعي يمثل الشعب تمثيلا حقيقيا ثم تعود الكرة مرة أخرى إلى صناديق الاقتراع، لكي يقرر الشعب مجددا من يحكمه ومصيبة عالمنا العربي أنه يفتقد لهذه ''الوصفة'' والاستخفاف بوعي الشعوب وإرادتها واعتبار الأصوات المعارضة مدسوسة وتحركها أياد خارجية! ألم يقل بن علي في خطابيه الأول والثاني بأن من يحرك الانتفاضة إرهابيون ولصوص وعصابات! والأطرف من ذلك أنه قال في خطابه الأخير، موجها كلامه للشعب التونسي ''الآن فهمتكم''! وتعهد بعمل ما كان يطالب به المحتجون وقوى المعارضة عبر سنوات طويلة من إصلاح سياسي واقتصادي، وإطلاق الحريات وإجراء انتخابات حرة ونزيهة لكن 23 عاما من الحكم ألم تكن كافية لكي يفهم الرئيس مطالب واحتياجات شعبه قبل أن ينتصر على الخوف وينتفض.أما الفضيحة فكانت النفاق الغربي إزاء حمام دم استمر شهرا ولاذت واشنطن وباريس ولندن وغيرها من ''عواصم الديمقراطية وحقوق الإنسان ''بالصمت أو التعبير عن القلق بل إن تلك العواصم كانت تغدق شهادات'' حسن السلوك ''على نظام بن علي باعتباره شريكا في الحرب على الإرهاب''، ومكافحة الأصولية الإسلامية! وعلى ما حققه من ''معجزة'' اقتصادية رغم أن نتائج ''معجزته'' كانت وخيمة على معيشة التونسيين! أما الحرص على حقوق الإنسان والديمقراطية في تونس، فقد غاب عن اهتمامات الساسة الغربيين لسنوات طويلة، وبالمقارنة فإن الغرب كان يمجد ويدعم إعلاميا وسياسيا وربما ماليا الاحتجاجات والانتفاضات، التي حدثت ضد الأنظمة الشيوعية في دول أوروبا الشرقية سابقا مثل احتجاجات حركة تضامن في بولندا والانتفاضة ضد الرئيس الروماني شاوشيسكو التي أطاحت به، وأعدم مع زوجته دون محاكمة بطريقة وحشية في ساحة عامة، وكذلك حركات الاحتجاج التي وقعت في عديد الدول المستقلة عن الاتحاد السوفياتي السابق مثل ''الثورة الوردية ـــ 2003'' في جورجيا و''الثورة البرتقالية ـــ 2004'' في أوكرانيا. كما قامت قيامة الغرب عندما قمعت السلطات الصينية بالقوة احتجاجات الطلبة في ميدان ''تيانانمين'' بالعاصمة بكين في حزيران (يونيو) 1989! وخلال فترة الحرب الباردة كانت إذاعة'' أوروبا الحرة'' و''صوت أمريكا'' والـ ''بي بي سي'' فضلا عن الصحافة المكتوبة تلعب دورا بارزا في كشف عيوب الأنظمة الشيوعية في الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية وغيرها من دول المعسكر السوفياتي وتحريض شعوبها على التمرد تحت عناوين وشعارات نشر الديمقراطية والحرية واحترام حقوق الإنسان. إنها المعايير المزدوجة، والسياسات الانتقائية التي تعتمدها واشنطن والدول الأوروبية!

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية