الاثنين, 2 نوفمبر 2026|21 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

في كثير من الأحيان يعتقد الواحد منا أنه مختلفٌ عن الآخرين، إلا أن الحقيقة التي ينتهي إليها معظمنا بعد التجربة، أن بين البشر كثيراٌ من القواسم المشتركة، فتكوينهم المادي من لحمٍ ودم جبلهم على قدر من الشعور جعلهم يختلفون عن الجمادات، ويتشابهون فيما بينهم إلى حدٍ كبير.

إلا أننا في دوامة الحياة وما يكتنفها من مسؤولياتٍ جسيمة نغفل عن هذه الحقيقة المهمة، مما يؤدي بنا إلى مزالق في غاية التهديد لصحة أجسامنا. إذ إنه لمن الظلم الكبير للنفس أن يتعامل الواحد منا مع عقله كما يتعامل مع الجمادات، مفترضاً أنه لا يمكن أن يتعرض للشلل المؤقت على الإطلاق!

فالقدرة العقلية كسائر الأرزاق، قضت مشيئة الله عز وجل أن يقسمها بين خلقه بدرجاتٍ متفاوتة، حيث جعل منهم العباقرة والأذكياء ومنهم دون ذلك إلى درجة المجانين. وكلٌ من هؤلاء معرضٌ لقدر من الزيادة أو النقص في مستوى التفكير تبعاً للظروف المحيطة لحظة اتخاذ القرار.

وإنه لمن الحياد عن المنطق افتراض دوام قدرة العقل لدى الإنسان عند مستوى الفعالية ذاته في مختلف الظروف، مما يجعل الكثير منا يحمل على نفسه فوق طاقتها فـ(لا يكلف الله نفساً إلا وسعها).

وتكمن المشكلة حين يحمّل المرء نفسه فوق طاقتها دون أن يشعر! وهو ما يحدث في معظم الأحيان، ليصل إلى نتيجة مزرية من التيه بعد أن تتبعثر به الأفكار ويتشوش ذهنه لدرجة يصبح عندها غير قادر على اتخاذ أسهل القرارات ولو كانت روتينية كتنظيف الأسنان أو حلاقة الشعر أو حتى الاستحمام!

ومما يحسن بالمرء عندما يقدم على قرارات مهمة لكي يتفادى مشكلة كهذه أن يحسب حساب المفاجآت أو الخطط السابقة التي سيباشرها في تزامن مع هذه القرارات المهمة، كأن يكون قد خطط لإجازته السنوية وعند اقتراب الاستمتاع بها يعرض له أمر طارئ، كأن يمر هو أو أحد أفراد أسرته بعارضٍ صحي لا سمح الله، أو أن يتلقى عرض عملٍ في مكان آخر يرغمه على إعادة جدولة تلك الإجازة، أو ربما تمنعه عوارض أخرى كونية كحدوث حرب أو كارثة طبيعية، أو من الممكن توقف وسائل النقل إلى البلد التي يقصدها لقضاء إجازته بشكل غير متوقع.

وعلى العموم فإن لعقل الإنسان طاقةً محددة لاستيعاب قَدرٍ معينٍ من الأفكار والقرارات المهمة متزامنة في الوقت ذاته، وحينما يتزامن قَدرٌ من هذه القرارات يفوق هذه الطاقة الاستيعابية للعقل، فإنها تصيب التفكير المستبصر بالشلل المؤقت. وللتخلص من هذا الشلل المؤقت للعقل، يحتاج الواحد منا إلى لحظة تأمل عميق يعيد فيها ترتيب أولوياته، ورفع مستوى إيمانه بقضاء الله وقدره، مما يجعله قادراً على قبول العواقب أياً كانت بعد بذله الدور اللازم المطلوب منه على أكمل وجه. على أي حال، فإن حالة الشلل العقلي المؤقت قد يتعرض لها جل البشر الأسوياء إلا أن الكثير منا لا يدركها لأسباب مختلفة منها طريقتنا في التنفيس عن الضغوط، ومنها أيضاً تفاوت مراقبتنا للعمليات الفسيولوجية داخل أجسامنا، ومنها كذلك تفاوت قدراتنا في التحمل والثبات عند الشدائد، ومنها وهو الأهم فهمنا لذواتنا واستشعارنا لمؤشرات الخلل التي تصدرها أجسادنا وعقولنا قبل أن تصاب بهذا الشلل العقلي المؤقت.

وتعد الساعة الرملية من أقرب الجمادات لتشبيه هذه الحالة الفسيولوجية للعقل، فعلى افتراض أن الناقوس الزجاجي في الساعة الرملية هو وعاء الأفكار في عقولنا، وحبيبات الرمل هي الأفكار التي تزدحم في رؤوسنا، فإن تساقط هذه الأفكار بشكل تدريجي ينتج عنه بعد برهة من الزمن صفاء ذهني يشبه خلو الناقوس الزجاجي العلوي في الساعة الرملية عند قلبها من أي حبة رمل! وبعد بيان هذه الحقيقة فإننا أمام أحد خيارين: إما التعايش مع الأمر والترحيب به ضيفاً ثقيلاً لبعض الوقت، أو وضع أنفسنا في اختبار حقيقي لإعادة تقييم الذات واكتشاف مؤشرات الخطر، وهو أمر يسير ولكنه يستلزم بعض الوقت والكثير من الصبر ورباطة الجأش. إلا أن الفهم الحقيقي للذات هو العلاج الأنجع للتعامل مع هذا الأمر، ومن مؤشرات التعافي من شلل العقل المؤقت، تباعد نوبات الشلل العقلي وضعف حدتها مع الزمن وعدم حدوثها إلا متزامنة مع نقاط تحول مهمة في حياة المرء فهي تعبير ضمني عن القلق المحفز لإنجاز الأعمال واتخاذ القرارات المهمة في الحياة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية