الاثنين, 2 نوفمبر 2026|21 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

إن الشكاوى حول الآثار التضخمية الناجمة عن السياسة النقدية الأمريكية أصبحت متفشية في الآونة الأخيرة، وذلك رغم أن علامات التضخم في الولايات المتحدة لا تكاد تُذكَر. إن الأسواق الناشئة السريعة النمو تناضل في محاولة لتجنب الانجراف مع سيل من تدفقات رأس المال إلى الداخل. والواقع أن بعض صناع القرار السياسي البارزين ذهبوا بدافع من يسهم في البحث عن بدائل للنظام النقدي الأمريكي المختل إلى حد التلميح بالعودة إلى معيار الذهب.

وأنا لا أتحدث عن عام 2011، بل عن عام 1964. فمن قبل، كنا نعيش الوضع الحالي نفسه.

ففي عام 1964 كانت الأسواق السريعة النمو في أوروبا، في سعيها إلى اللحاق بالولايات المتحدة، هي التي تتذمر من بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. فقد زعمت هذه البلدان أنها أصبحت مغرقة برأس المال المستورد بسبب السياسة الأمريكية التوسعية المتهورة. إذ كانت الولايات المتحدة ''تصدر التضخم''.

ورد المسؤولون الأمريكيون على هذا الاتهام بأن التدفقات المالية إلى بلدان أوروبا كانت تعكس تأخر نمو أسواق رأس المال في أوروبا. والواقع أن مشكلة التضخم في أوروبا كانت بمثابة منتج ثانوي لعزوف بنوكها المركزية عن إحكام سياساتها على نحو أكثر قوة، وتردد البلدان الأوروبي في السماح لعملاتها بالارتفاع، الأمر الذي يعكس التزامها في الأمد البعيد بالنمو القائم على التصدير ولم يتغير شيء.

وآنذاك تحدث الفرنسيون تحت زعامة الجنرال شارل ديجول عن ضرورة التخلي عن الأوراق المالية التي تصدرها الحكومة لمصلحة معيار الذهب. وهذا يعني أن الولايات المتحدة كانت لتخضع بذلك لقدر أعظم من انضباط السياسات. ولكن الفرنسيين لم يفسروا بالضبط كيف قد تتم العودة إلى معيار الذهب، أو كيف قد تترجم هذه العودة إلى استقرار الأسعار واستقرار الاقتصاد، وذلك في ضوء التقلبات التي كانت أسواق الذهب تعانيها، والعواقب المأساوية التي تخلفت عن معيار الذهب ـــ وخاصة في فرنسا ـــ أثناء ثلاثينيات القرن الـ 20.

بعبارة أخرى، كانت المناقشة عامرة بالارتباك والخلط كما هي حالها اليوم. إنه لأمر إيجابي أن يتم إطلاق جهد يرمي إلى إصلاح النظام النقدي المالي. لذا فالآن، وما دامت الحكومة الفرنسية ـ ليسوا هم مرة أخرى! ـــ قد ألزمت نفسها بجعل قضية إصلاح النظام النقدي الدولي المحور الأساسي لرئاستها لمجموعة الـ 20 في عام 2011، فمن الجدير بنا أن نتذكر حكاية الستينيات التي تحمل قدراً كبيراً من التوعية والتنبيه.

آنذاك، كانت الدبلوماسية النقدية الدولية تركز على خلق شكل جديد من أشكال الاحتياطيات الدولية، وهو ما أصبح بعد ذلك ''حقوق السحب الخاصة'' التي يصدرها صندوق النقد الدولي. وكانت الفكرة تتلخص في قدرة صندوق النقد الدولي، بإصدار حقوق السحب الخاصة، على تزويد الأسواق الناشئة الساعية آنذاك إلى تكديس الاحتياطيات ببديل للدولار. ولم يعد بوسع الولايات المتحدة بعد ذلك أن تتحمل عجزاً في ميزان المدفوعات من دون قدر عظيم من ''الآلام''. وأصبح من الممكن كبح جماح السياسة الأمريكية من دون تجويع الاقتصاد العالمي وحرمانه من السيولة.

ولكن تلك الجهود باءت بالفشل الذريع. ذلك أن حقوق السحب الخاصة لم تصبح قط بديلاً جذاباً للدولار، بل إنها تحولت إلى مكمل متواضع للدولار وغيره من الوحدات الوطنية في الاستخدام الدولي. ولأن أعضاء صندوق النقد الدولي لم يثقوا في الصندوق بالقدر الكافي للسماح له بتولي الصلاحيات والسلطات الكفيلة بتحويله إلى بنك مركزي عالمي، فقد ذهبوا إلى إقامة الحواجز العالية أمام إنشاء حقوق السحب الخاصة. وعلى نحو مماثل، فشلت الأسواق الخاصة للأدوات التي تسيطر عليها حقوق السحب الخاصة في التطور والنمو، الأمر الذي أدى بدوره إلى الحد من جاذبية حقوق السحب الخاصة في نظر البنوك المركزية.

وكان الجانب الآخر من تركيز المفاوضات في الستينيات يتلخص في جهد يرمي إلى تحسين مرونة سعر الصرف. والواقع أن المقترحات في هذا السياق ـــ كاستجابة لتراكم الفوائض المزمنة في ألمانيا وإيطاليا، ونشوء العجز المزمن في الولايات المتحدة ـــ كانت سبباً في استقطاب قدر متزايد من الاهتمام بمجرد التوقف المفاجئ للمفاوضات الخاصة بإصدار حقوق السحب الخاصة في عام 1968.

ولكن مع تمتع بلدان أخرى بعقدين من الزمان من النمو القائم على التصدير نتيجة لربط عملاتها بالدولار، فقد كان هناك عزوف واضح عن التلاعب بهذا النجاح. ورغم تصديق صندوق النقد الدولي في تقرير عالي المستوى أصدره بشأن أسعار الصرف في منتصف السبعينيات على مبدأ توفير المزيد من المرونة، فإنه لم يقدم أفكاراً جديدة فيما يتصل بحمل البلدان على الانتقال في هذا الاتجاه ولم يقترح فرض عقوبات جديدة على البلدان التي تقاوم هذا التوجه الجديد. واستمر الخلل في التوازن الدولي في التفاقم إلى أن انهار النظام في الفترة 1971 ـــ 1973.

والواقع أن تلميحات الحكومة الفرنسية الأخيرة بشأن أجندتها الإصلاحية لعام 2011 تشير إلى أن حقوق السحب الخاصة، على النقيض من التكهنات في وقت سابق، لن تكون في صميم جهودها. بل إن إدارة ساركوزي ستسعى بدلاً من ذلك إلى تطوير الآليات اللازمة لإدارة الانتقال إلى نظام عملة دولي، حيث يلعب الدولار واليورو والرنمينبي دوراً عالمياً مترابطا.

وهي خطوة إلى الأمام، وتعكس التعلم الحقيقي من التاريخ. ولكن الفرنسيين لم يشيروا إلى أنهم سوف يمارسون الضغوط من أجل فرض عقوبات ضد بلدان الفائض المزمن التي تتقاعس عن تعديل قيمة عملاتها. والواقع أن غياب مثل هذه العقوبات كان بمثابة نقطة ضعف بالغة الخطورة في نظام بريتون وودز الأصلي، ويظل يشكل نقطة ضعف رئيسة في نظامنا الحالي ـــ وليس من قبيل المصادفة أن يشار إليه بلقب بريتون وودز الثاني.

في غياب العقوبات اللازمة لضبط الاختلال في التوازن العالمي، فإن الخطوة الفرنسية إلى الأمام ستحملنا إلى نصف المسافة عبر هوة بالغة الاتساع. أي أن الاقتصاد العالمي سيجد نفسه وسط الهواء، بلا أرضية راسخة تحت قدميه، وبلا قوة دفع كافية لحمله إلى الجانب الآخر، وهو موقف لا ينبغي للاقتصاد العالمي أن يكون فيه أبدا.

خاص بـ«الاقتصادية»

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2011.

www.project-syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية