على مر التاريخ وتسارع العصور اهتم العلماء بالحرص على استثمار النفس البشرية، فكانت منظمة علمية مقننة تسير وفق خطوات علمية محكمة لاستكشاف خصائص الإنسان ومكنوناته ليعود نفعه على من حوله، والمستفيد الأول هو الإنسان ذاته ثم المجتمع المحيط به، ومن هنا نشاهد اليوم التوسع العلمي والحركة التعليمية الثائرة في أوجها في ميادين العلوم المختلفة فبهذا نحن نستثمر العقول لصالح العقول، أعني عقول المتعلمين وعقول المستفيدين من شرائح وطبقات المجتمع المتنوعة والمختلفة، وبالتأكيد إن ذوي الإعاقة من بين فئات بني آدم الذين لهم تأثيرهم ولهم كما لغيرهم نقاط ضعف ونقاط قوة. هنا سأحتكر الحديث عن أبرز وأقوى فئات ذوي الإعاقة وهم الصم، البعض أسماهم (الصم والبكم) وهو المصطلح الشائع الخاطئ، فالأصم إنسان يتمتع بكل قواه العقلية والنفسية والجسدية والذهنية، إلا أنه فقد آلة الكلام ولم يفقد آلة السمع ولكن نتيجة عدم وجود المدخلات(الأحرف وخلافها) نتج البكم، وإلا فالأصم كل ماهو إنسان كغيره من أقرانه السامعين إلا أن الإنسان السامع يتكلم والإنسان الأصم يؤشر بلغة الإشارة العالمية الموحدة.
اقتصادياً نسب الشباب اليوم في تزايد، فقد أكد تقرير الأمم المتحدة المنبثق عن الدورة الـ 56 المنعقدة في تموز (يوليو) عام 2001م أن نسبة 85 في المائة من الشباب تعيش في الدول النامية. وتشير وثيقة لمنظمة اليونسكو إلى أن غالبية سكان العالم الثالث هم من الشباب.
وتمثل نسبة الشباب الذين تقل أعمارهم عن 40 سنة نسبة كبيرة من المجتمع السعودي تصل إلى 82.6 في المائة، بينما تمثل من تنحصر أعمارهم بين 10-29 عاما 40.9 في المائة من المجتمع، وهي ضعف النسبة الموجودة في أوروبا. بينما تبلغ نسبة من تزيد أعمارهم على 64 سنة 3 في المائة فقط. ويبلغ عدد الشباب الذين تنحصر أعمارهم بين 15-24 (3135181)، يمثلون نسبة 20.11 في المائة من عدد السكان عام 1421هـ.
وإذا كان الحديث هذا عام 1421هـ، ففي دراسة كشفها الدكتور جاسم المطوع في أحد محاضراته العلمية أن المجتمعات العربية الآن هي مجتمعات شبابيه حيث إن 60 في المائة من المجتمعات العربية تقل أعمارهم عن 50 سنة، بينما في الغرب تسمى مجتمعات شيخوخة حيث إن 60 تتجاوز أعمارهم 50 سنة، والسعودية في مقدمة تلك الدول العربية.
ونشر أخيراً مركز أسبار البحثي أن شريحة الشباب (15 – 29 سنة) نسبة عالية من سكان المملكة العربية السعودية، إذ تقدر بنحو خمسة ملايين نسمة، وتحتل نحو 28 في المائة من السكان.
هذه الأرقام تقودنا للحديث عن فئة تكاثرت في السنوات الأخيرة بشكل لافت فالشباب الصم الآن يزداد عددهم يوماً بعد يوم كأقرانهم من الشباب السامعين، ولكن الحديث هنا عن الصم لأن السامعين وجدوا منافذ وطرقا عديدة سخرتها لهم الدولة في استثمارهم ليكونوا أعضاء فاعلين في المجتمع، غير أن الصم هم من أهم وأكثر فئة الشباب في السعودية ذكوراً وإناثاُ. وفي بحث علمي أجراه الدكتور طارق الريس والدكتور عثمان المنيعي، أن نسبة الصم في السعودية تعادل 1-1.15 في المائة من نسبة سكان السعودية. هذا يعني أن المجتمع السعودي يحوي أكثر من 300 ألف شاب وشابة من الصم الذين يعتبرون على قارعة الطريق خدمياً وإنسانياً وحقوقياً!
اليوم الصم ذكوراً وإناثاً يتمتعون بكل القدرات الجسمية والعقلية والنفسية والصحية، بل إنهم كأقرانهم السامعين يجيدون مهارات التعلم والتدرب بكل أنواعه وأشكاله متى ما أتيحت الفرصة، ولكن المعضلة في الفرصة ذاتها، فالصم اليوم يواجهون قضية عجزت الأدراج عن حلّها، لأنها في الغالب الأعم لم تتعد أدراج الكثير من المسؤولين في قطاعات التعليم والتوظيف، فالسيناريو الذي يتمتع به كل أصم هو أن يولد أصما ويتم تسجيله في أحد برامج الأمل أو ضعاف السمع بحسب درجة فقدان السمع لديه، ومن ثم يكمل المرحلة الابتدائية والمتوسطة والثانوية، فإذا ما جاء إلى إكمال خطته التي رسمها وتحقيق طموحه الذي يصبو إليه، وجد أبواب الجامعات في السعودي تقول له (عذراً!) مكانك ليس هنا. وظل الصم هكذا منذ عام 1405 حيث تخرجت أول دفعة بعد إقرار دمجهم في التعليم أسوة بأقرانهم. وفي عام 1425هـ أطلقت المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني مبادرتها بفتح القبول لهم للحصول على شهادة دبلوم في تخصص واحد فقط . ومنذ ذلك اليوم في عام 1425 والمبادرة عقيمة، ولسان حال المؤسسة العامة للتدريب والتقني يقول (ليتني لم أفعل) لأن المؤسسة باتت تقاتل في الميدان وحيدة، فأعداد ونسب الصم في السعودية تتهافت عليهم من كل جانب رغم أن الكلية التي تم فتح القسم فيها في الرياض إلا أن الشباب الصم يأتون من كل حدب ينسلون، من المنطقة الجنوبية والشرقية والشمالية والغربية، يقطعون آلاف الكيلومترات رغبة في مواصلة دراستهم، ولكن مع الأسف حتى كلية الاتصالات في المؤسسة العامة للتدريب الفني والمهني تعتذر لهم في أحايين كثيرة وتقبلهم في أوقات يسيرة، لأن طاقة وقدرة الكلية مهما فعلت فهي محدودة، وتعاني كثيرا من المشكلات الإدارية ولكنها مبادرة!.
هنا تساؤل!
قالت الدراسة بأن أعداد الصم في السعودية عام 2005 أكثر من 300 ألف شاب وشابة وهم إلى تزايد كما أفادت الدراسة، واليوم نحن في عام 2011 فيا ترى كم أصبح عددهم؟
وماهي أحوالهم بعد التخرج في المرحلة الثانوية ؟
إننا فعلياً واقتصادياً نهدر طاقات وكوادر بشرية أثبتت في المجال البسيط والمتواضع الذي أتيح لها أنها طاقات شبابية واعدة تنفع الوطن وتستثمر للمواطن.
اقتصادياً أثبتت الدراسات علمياً وبيانياً أن السعودية تهدر أكثر من 288 ألف طاقة شبابية واعدة كل خمس سنوات بشكل تراكمي مخيف، والحل لا يحتاج إلى عقول الكثيرين لأنه يتسم ويتضح في فتح المجال لهم لمواصلة الدراسة الجامعية ليتمتعوا كغيرهم من أفراد المجتمع بحياة سوية تحترم الإنسان وقدراته وطاقاته.
اليوم كثير من الصم لجأ بضغوط مالية عليه وعلى أسرته للسفر إلى دول أجنبية تتيح له مواصلة الدراسة الجامعية في الوقت الذي تنفق السعودية مليارات الريالات على التعليم الجامعي ومديري الجامعات يتغافلون حج الزاوية بالاهتمام قليلاً بهذه الفئة وتوليها زمام المبادرة على مستوى الدولة.
أخيراً الحل يسير على من سيتولاه بروح الأمانة المخلصة للوطن، وصعب على من تخاذل للصم وقدراتهم.
