الاثنين, 2 نوفمبر 2026|21 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

عندما صاغ البروفيسور ج. أ. بارنز مصطلح ''الشبكة الاجتماعية'' عام 1950، قدَّر أنها تتكون من مجموعة من 100 إلى 150 فردا كحد أقصى. الآن، وبعد مضي 60 عاماً على هذا التقدير، أصبحت الشبكات الاجتماعية المبنية على الإنترنت تتكون من مئات الملايين من الأفراد من حول العالم، وهي تقوم على ربط الناس بالناس، والناس بالأشياء، ويحدد فيها الناس الأشياء التي يهتمّون بها، ويقيمون من خلالها روابط واسعة على مستوى العالم، وينشئون شبكات هائلة من العلاقات الإنسانية بالغة التعقيد، ويتواصلون عن طريق وسائل إلكترونية تشمل المحادثة الصوتية والمرئية، والبريد الإلكتروني، والمراسلات الشخصية، ومشاركة الصور والبيانات والنصوص والروابط.

ورغم أن محور فكرة تقديم خدمات الشبكات الاجتماعية هو تحقيق التواصل بين الناس، وتكوين الصداقات، وتبادل الاهتمامات والبيانات، إلا أن الأفكار والإمكانات والفرص التي تتبلور سريعاً تحت هذه الخدمات بدأت تشكل قيمة اقتصادية عظمى، وتتعاظم باطراد مثير، فالشبكات الاجتماعية في طريقها لتكون واحدة من أغنى مصادر البيانات عن الأفراد والمجتمعات، حيث أصبحت تنتج كما هائلا من المعلومات عن الناس، وعن اهتماماتهم، وأساليب تفاعلهم، وأشكال تكتلاتهم، ونماذج تصرفاتهم، وهي بيانات حية تتجدد على مدار الساعة وطوال أيام السنة، فمن خلال تشجيع الناس على تقاسم مزيد من المعلومات عن أنفسهم، تقوم الشبكات الاجتماعية بإحداث تغييرات جوهرية في مفاهيم الخصوصية الشخصية السائدة في مختلف المجتمعات على مستوى العالم. ويصف مارك زوكربيرج مبتدع خدمة فيسبوك ذلك بقوله ''أصبح الناس مرتاحين بالفعل، ليس فقط بتقاسم مزيد من المعلومات، وأنواع مختلفة منها، لكن كذلك على نحو أكثر انفتاحاً، ومع عدد أكبر من الناس''.

ووفقاً لتقرير أعدته شركة أكسنتشر Accenture فإن مهمة جمع وقراءة وتفسير البيانات الهائلة المتراكمة في الشبكات الاجتماعية، وتعلم كيفية استخدامها لمعرفة ما يقوله ويريده الناس، والخدمات التي يحتاجون إليها وكيفية تقديمها، ومن ثم تحويل كل هذه المعرفة إلى ابتكارات وحلول ومنتجات لخدمة الاحتياجات الفعلية للمجتمعات، ستكون من أكبر المشاريع التي ستعمل عليها الحكومات والشركات خلال العقد الحالي.

نحن بالتأكيد في المراحل الأولى من مراحل تطور ظاهرة الشبكات الاجتماعية، وهي في طريقها كي تصبح ممارسة عامة مهمة ومؤثرة في حياة الناس، فقد أظهرت نتائج الأبحاث العلمية عن الشبكات الاجتماعية أن هذه الشبكات تعمل على مستويات متعددة تبدأ من مستوى الأفراد والمجموعات وتصل إلى مستوى المجتمعات والدول، وأن هذه الشبكات أصبحت من المصادر الرئيسة للمعلومات، والمكان الذي يذهب إليه كثير من الناس أولاً عند الحاجة إلى معرفة ما يدور من حولهم، وأنها تلعب دوراً مهما في تشكيل آرائهم وصياغة مواقفهم ومساعدتهم على التعامل مع عديد من القضايا الحياتية اليومية.

إن القوى المتنامية لظاهرة الشبكات الاجتماعية وتأثيراتها الملموسة في كثير من جوانب الحياة في المجتمعات جعلت منها مادة خصبة ومجالاً واسعاً للدراسات والأبحاث في عديد من التخصصات الأكاديمية، وهي بالتأكيد في قمة اهتمامات شركات تقنية المعلومات الكبرى، وأصبحت موضوعاً أساسياً عند التحدث عن الإبداع والابتكار والتنافسية والتنمية المستدامة، كما يؤكد ذلك منتدى التنافسية الدولي الخامس الذي بدأ أعماله في مدينة الرياض هذا الأسبوع.

لن نستطيع أن ننجز كثيرا بالكتابة عن أهمية ظاهرة الشبكات الاجتماعية في صحفنا ومدوناتنا، أو الحديث عنها في مؤتمراتنا ومنتدياتنا، فالدراسات والأبحاث هما السبيل لبناء المعرفة التي تطلق الأفكار الإبداعية والابتكارات الخلاقة والبيئة التنافسية لتحقيق التنمية المستدامة ورفاهية المجتمع.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية