ما من أحد إلا ويؤمن بأن الإرهاب خطر ماحق في أي مجتمع يتعرّض له، لأنه يستهدف بالدرجة الأولى أعز أماني الإنسان, وهو الأمن, فضلا عن أنه يحدث تدميرا غاشما في الاقتصاد وفي منجزات التنمية من ناحية، ويعمل على تلويث الفضاء الاجتماعي بالضلال والسلوك المعوج المنحرف الذي قد يؤثر في ضعاف النفوس ومَن في قلوبهم مرض وبعض صغار السن، علاوة على ما يكبّده من خسائر مادية توجّه للإجهاز عليه، كان بالإمكان أن تجد طريقها لتحقيق مزيد من الإنجاز والتقدم.
والسعودية تصدت لزمر الإرهاب والإرهابيين ببسالة ونجاح باهرين، شهدت بالجدارة لها في تحطيمه وسحقه دول العالم والمحافل الدولية، وأشاد بها عديد من المراقبين والدارسين والمتابعين للدور الفذ الذي قام به جهاز الأمن السعودي في هذا الشأن الخطير.
لكن حين يرتفع صوت الأمير نايف بن عبد العزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، ليقول إن المخدرات أكبر من جميع الأخطار، وأشد فتكا من كل الأعداء, فهذا يعني أنها باتت العدو الأول، ليس لأن الإرهاب ليس خطرا جسيما، بل لأن آلية التعامل معه وحصره وملاحقته والإجهاز عليه آلية نوعية تقع في حيز الخروج على المجتمع على نحو يمكن فرزه, فيما المخدرات آفة تتسلل في غمار المجتمع وعمقه على نحو متلون، تأتي في حلية الإغراء للحصول على اللذة والمتعة المزعومتين. إنها سم في الدسم وغول في العسل، تكون بحبة أو مسحوق أو حقنة أو نشوق، براقة المظهر بريئة السمة، لا تسفر عن هول ما هو ملغوم من كارثة فيها في حينه، لكنها سرعان ما تصبح شيطانا لعينا يفتك بالدم والعصب والعقل والروح، فإذا بمتعاطيها على حافة الجنون أو في قبضة الإجرام.. ضحية تغرير وفضول، أو جهل أخرق يورط نفسه ويورط معه أهله ومجتمعه رغما عنهما.
وحين يكون حجم الاستهداف للسعودية مذهلا بكميات مهولة من المخدرات تخترق الحواجز الأمنية والجمركية من كل حدب وصوب رغم كل الاستنفار المثابر الدؤوب في كل موقع وعند كل منفذ.. وحينما يكون حجم الاستهداف مذهلا ومستمرا، يصبح الأمر معركة مفروضة بالغشامة على هذا البلد الأمين وعلى مواطنه ومقيمه لجعلهم مضغة سائغة في فم هذا الطاعون المخيف، فالإجهاز على المواطن يجهز على أمنه واستقراره وتقدمه, ومن هنا يمكن فهم هذا التأكيد من الأمير نايف، بأن المخدرات أكبر من جميع الأخطار وأشد فتكا من جميع الأعداء.
إن الخسارة التي يتكبّدها الوطن في وقوع بعض أبنائه ضحايا لآفة المخدر، خسارة مباشرة لأنها تتجه ضد تنمية القوى البشرية الوطنية وفرض الحرب عليها لإسقاط جهود التعليم والتدريب والتأهيل النوعي لإقصائها عن قيادة مرافق التنمية وأعمالها، فضلا عن أن هذه الحرب تضيف تكاليف اقتصادية، وتستنزف قدرا هائلا من الجهد الوقائي والعلاجي والعلمي، إلى جانب الأمني. وما من سبيل للجم هذه الحرب القذرة وتنظيف فضائنا الاجتماعي من المخططين والمنفذين لها والمروجين والمتعاطين في الوقت نفسه، سوى تعميق الحصانة المعنوية لأفراد المجتمع والمقيمين فيه، سواء بالاستنفار الأمثل والواعي لأجهزة الإعلام، وقاعات الدرس، والمنتديات، أو في خطب الأئمة والدعاة في مساجد المملكة قاطبة. كما أن هذا الاستنفار ينبغي أن يكون صريحا علميا يبرز بالصوت والصورة الأثر الذي تحدثه المخدرات بأنوعها، وأن تتولى المؤسسات الطبية والاجتماعية توزيع النشرات التي تخاطب العقل منطقيا، وتضع بين يدي القارئ كامل ملامح الحقيقة، مع ضرورة التأكيد على أن يكون كل فرد بذاته رجل أمن ومواطنا صالحا يؤدي أمانة التبليغ الصادق عمّن قد يعرفه أو يكتشفه من مروّجين أو متعاطين خطرين في مكان العمل أو العلم أو المسكن، ليس بحس الكيد والوشاية المغرضة، وإنما بحس المواطنة والانتماء والدفاع عن كرامة النفس الإنسانية التي كرّمها الخالق سبحانه على العالمين.
