إذا كانت فلسطين قد ضاعت، بسبب الاحتلال الإسرائيلي لأرضها وتواطؤ الدول الغربية، وبالذات الولايات المتحدة معها، فقد كرّس هذا الضياع زعاماتها التي لم تحسن خدمة قضيتها، فهي زعامات عمدت، بدلاً من توجيه المدفع والإرادة المقاومة إلى صدر العدو الصهيوني، عمدت إلى خطف الطائرات واستفزاز الدول التي استضافتها بوسائل عدة، من التفجيرات إلى الاغتيالات، وهرب الزمن من أيديهم فإذا هم إخوة أعداء، لا مظلة منظمة التحرير حشدتهم في وحدة تحتها وشدت عزائمهم بعضهم بعضا، ولا غيرها من البدائل حتى انتهت بهم الأحداث إلى قلامة ظفر السلطة الفلسطينية الشكلية في الضفة الغربية و(حماسيين) في غزة.
لبنان اليوم مهدد هو الآخر بالضياع بتفكك أوصاله بسبب زعمائه أيضا، فلا الحرب الأهلية بأهوالها منحتهم حكمة التاريخ في الإصغاء إلى دروسه ولا حتى سياق مائتي عام من التكوين الطائفي الذي لم يستطع إلا لسنوات قلائل التماسك كبلد معتبر .. وها هو اليوم غير عابـئ بكل تلك التداعيات التاريخية المأساوية، تستغرقه النزاعات الخطرة تحت غلواء شعارات مذهبية وطائفية وسياسية، كل زعيم يكاد أن يكون نسخة نيرونية يعزف على أوتار الغريزة فيما يكاد اللهب يندلع.
إن تاريخ لبنان حافل بالعظمة الثقافية والفكرية، فمن على أرضه انطلقت ريادات مشاريع اليقظة العربية لصناعة تاريخ أمة جديرة بالبقاء سياسياً وفكرياً واقتصادياً، غير أن هذا الخزان المعنوي كان على الدوام محاطاً بذهنيات ضيقة الأفق لا ترى لبنان إلا متصرفية خاصة بها، حيناً برسم ضغط الحس الطائفي العنصري وحيناً آخر برسم ضغط فكر حزبي جذوره وثقافته إما تنتمي للوثات شوفينية هتلر وموسليني أو لخطاب أممي يقفز فوق الحقائق والواقع ويمسخ بالشمول!!
ما من مفكر إلا وجرّب أن يقرأ في تاريخ لبنان، وأن يقوم بالتبصير فيه والتنجيم على طريق الهوى والغرض، وظل هذا التاريخ عصياً على الحل والفرز بين خيطه الأبيض وخيطه الأسود وتحكمت فيه (العقدة اللبنانية) التي قال بها ذات يوم اللبناني جورج حنا.. ومع أن هذه (العقدة) تعقدت أكثر وتغير بعض اللاعبين وغيّر بعض آخر جلودهم إلا أن الخطر لم يبرح مكانه، بل بات في كل مرة أشد تهديداً وأبشع نذيراً، فمن الحرب الأهلية إلى حرب تموز إلى مسلسل رعب الاغتيال السياسي وحتى كابوس احتمال انكسار الوطن اللبناني كله على رؤوس أهله وضياعه، لا كما ضاعت فلسطين بالاحتلال وإنما بقبلية عشائرية سياسية تشبه نسخة ملوك الطوائف في الاندلس تمهد لخاتمة لا يبقى لأحد منهم بعدها أثر.. ظلالا لتاريخ كان فحسب!! هذا السيناريو الأسود يغالط في إمكانية حدوثه من يرفعون أصواتاً زاعقة تنادي بمقولات تسير عكس التاريخ أو خارجه .. هذا السيناريو هو بالضبط ما لا ينبغي المغالطة في إمكان حدوثه فقد تم تنفيذ بروفات له في الصومال، في العراق، في فلسطين، ولبنان اليوم أكثر جاهزية لحدوثه بصرامة مفزعة طالما هو بلد لا يملك بالأساس مقومات اقتصادية ولا هوية مؤلفة تتجاوز به نطاق المذهب والطائفة والنعرات السياسية الحمقاء.
إن النصائح التي أغدقت على زعماء لبنان لا يدخل معظمها في باب المزايدة والمصلحة أو التآمر المضمر، بل ثمة كلمات عاقلة سديدة صدرت إما من وحي حس إنساني حضاري صرف أو من حس حريص على لبنان الوطن الشقيق في أمة تريد له ولها الخير، وفي صدارة هذه النصائح الدور الذي جهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله، القيام به من أجل إخراج لبنان من عنق زجاجة التاريخ لكي ينجو من الاختناق فيها.
لقد كانت السعودية بالأمس القريب عراب إخراج لبنان من أتون الحرب الأهلية، وكان مؤتمر الطائف واتفاق زعماء لبنان فيه على صيغة إدارة دفة الحياة السياسية له، المحطة الفاصلة المفصلية بين الاحتراق والانعتاق، فبعد الطائف عاد لبنان لأهله وعاد أهله إليه وهوت أفئدة من الشعوب إليه سياحاً ومستثمرين ومشاركين في إعادة بهاء الفكر والثقافة والعلم والاقتصاد إليه، وحين عاد الإخوة الأعداء إلى غريزة السجال تحت لافتات شعارات نزقة هنا وهناك، بعد فقد زعيمه الشهيد رفيق الحريري والعدوان الإسرائيلي 2006 ظلت السعودية إلى جانب الجميع على مسافة واحدة من الكل، متحملة ومتجاوزة أقاويل قيلت بحقها من قبل بعض (الأفرقاء)، وثابرت بمساعيها الخاصة، العربية والإقليمية والدولية غير أن هناك مَن ظل يمارس هوايته في لف مزيد من (العقد) اللبنانية على العقدة ما دعا السعودية إلى الإعلان عن تخليها عن دور الوساطة لحل الأزمة اللبنانية .. ما يعني وضع (الأفرقاء) أمام مسؤولية ما هم عليه مفترقون غير مكترثين بالحصاد المر المرير لطواحين الرعب التي مر بها بلدهم والدماء والضحايا الأبرياء وخراب البلاد في مكابرة كارثية للبقاء، حيث هم في عنق زجاجة التاريخ، النفق الملغوم ببراكين الفتنة وزلازلها والإصرار على الانحشار فيها حيث لا يمكن التنبؤ بلحظة حدوث الانفجار .. والسقوط في الضياع المريع!!
