تغريم عدد من شركات الاتصالات العاملة في المملكة مبلغ 90 مليون ريال، بسبب بيع البطاقات مسبقة الدفع لمجهولي الهوية، يكشف عن وجود مخالفة قانونية جسيمة تمارسها معظم شركات الاتصالات، بل لا تكاد شركة تخلو من اتباع هذا الأسلوب في التسويق، ما فتح الباب على مصراعيه لكل من يريد أن يخفي هويته عن الآخرين، حتى عن الجهات الرسمية، ولأن الهيئة العامة للاتصالات تعمل من أجل مكافحة هذه الظاهرة والمخالفة في آن واحد، فقد كانت الغرامات المالية أول خطوة في هذا الطريق، أما الخطوة الأخرى فقد كانت العمل والتنسيق مع وزارة الشؤون البلدية والقروية على إغلاق تلك المحال في جميع مناطق المملكة متى ثبتت المخالفة، كما قامت الهيئة بإيقاف تراخيص لعدة شركات، ثبت أنها ترسل رسائل للعملاء بشكل مخالف، لذا أصدرت التعليمات اللازمة للسيطرة على الرسائل الاقتحامية والرسائل المزعجة.
إن نمو سوق الاتصالات في المملكة وزيادة عدد العملاء وحجم الاستثمارات فيها لا تعني قبول كل الممارسات، فهناك رغبة لدى مزودي الخدمة في زيادة العملاء حتى لو جاء على حساب الخدمة ورضا العملاء، بل راحتهم. كما أن بعض الشركات يمارس نوعا من إرغام العملاء على الاستمرار معها حتى إن لم يرغبوا في ذلك، خصوصا الشركات التي تحصل على أرقام لموظفيها، حيث تستمر عملية فرض الرسوم رغم طلب العميل إنهاء الخدمة.
وتلقت المحاكم عددا من الشكاوى في قضايا يسيرة جدا، لكنها تعكس تعنتا غير مقبول ليس من الناحيتين القانونية والتعاقدية، بل حتى من الناحيتين الأخلاقية والتجارية، وكان موقف القضاء واضحا، حيث يحيل جمع تلك الشكاوى إلى الهيئة العامة للاتصالات بحكم اختصاصها في مراقبة ومحاسبة شركات الاتصالات، وهذا الموقف يختصر على العميل الكثير من الإجراءات القانونية، حيث تباشر الهيئة العامة للاتصالات اختصاصها وتفرض بقراراتها ما يجب أن يكون في كل شكوى تقدم إليها.
إن جهاز الهاتف النقال أداة تستخدم في الإساءة البالغة للآخرين، وقد تصل تلك الإساءة إلى حد الاعتداء اللفظي أو إلى حد الجريمة، ما يتطلب وجود معلومات لدى مزودي الخدمة والبائعين للأرقام في المحال ومواقع التوزيع للعملاء، إلا أن هذه المعلومات غير متوافرة في بعض الحالات، ما يؤدي إلى أن يكون الطرف المتصل مجهولا تماما حتى في الحالات البالغة الخطورة.
إن العملاء يعلقون أملا كبيرا على هيئة الاتصالات في إنصافهم، فهناك حالات لعملاء تم استخراج عدة أرقام بأسمائهم ودون علمهم ولا تزال ذممهم مطالبة بالسداد، حيث تعودوا على سماع عبارة سدد أولا ثم اعترض، وفي ذلك مخالفة لأبسط حقوق العميل، بل ثبت في حالات عديدة تورط موظفين في إصدار أرقام بأسماء عملاء ودون علمهم، فضلا عن عدم موافقتهم، وتلقت الهيئة عددا من الشكاوى، لكن لم تتخذ القرارات العادلة، حيث تكتفي الهيئة بالتوجيه للشركة بحل الموضوع وديا مع العميل أو العملاء، وفي هذا إعادة العميل إلى خصمه دون قرار ملزم.
إن قطاع الاتصالات في المملكة يشهد نموا كبيرا، فالاستثمار في هذا القطاع يضيف قوة للاقتصاد الوطني، لأنه يوفر مزيدا من فرص العمل، ومطلوب من الشركات أن تعامل العملاء بعدالة، وأن تتفادى وسائل التسويق التي قد يترتب عليها ضرر بالعملاء أو بالخدمة، لأن في ذلك مخاطرة قد تؤدي إلى فرض غرامات مالية تقضم حصة من الأرباح أو تؤثر في المركز المالي للشركة.
لقد صرح محافظ الهيئة بأنها تقوم بدور المنظم لعملية المنافسة لحماية المستهلك ورصد معالم الجودة، وأنها تتعامل بكل شفافية ووضوح وتمارس العدالة مع الجميع، ولكن حتى تكون الهيئة في موقع أقوى يتطلب الوضع تعديل النظام لكي يعطي الهيئة قوة نظامية للمحاسبة، فالهيئة لا تعتبر عقوباتها نهائية، بل قابلة للاستئناف، وحتى لا تتوسع المخالفات في سوق الاتصالات، بالذات المخالفات التي قد تكون لها تبعات سلبية على الأمن الوطني، يتطلب الوضع مراجعة النظام حتى تكون الهيئة أكثر فاعلية في ضبط السوق، وتحقيق بيئة تنافسية عادلة.
يجب أن يعطي النظام الصلاحية للهيئة، لكي تكون الملاذ العادل من تجاوز الشركات، ومن يقدمون الخدمة في السوق، وإذا كانت حماية مصلحة الشركات ضرورية، فإن حماية العملاء وعدم إلجائهم إلى المحاكم هو أهم، فالعملاء هم السوق، وهم مصدر عمل الشركات، ويجب أن يكونوا محل رضاها أيضا.
