الاثنين, 2 نوفمبر 2026|21 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

إن الهند التي يبلغ عدد سكانها 1.2 مليار نسمة، تحكمها قِلة ضئيلة من أهل النخبة، التي تدير كل شيء من الحكومة إلى الشركات الضخمة، بل حتى الهيئات الرياضية. ولكن سلسلة من الفضائح، التي انطوى بعضها على المليارات من الدولارات، أسهمت الآن بشكل خطير في تقويض مكانة هذه النخبة في نظر عامة أهل الهند.

والآن أصبح أي شخص تقريباً في موقع السلطة في الهند، بما في ذلك مشاهير الصحافة المطبوعة أو المرئية، يُنظَر إليهم بقدر كبير من الشك. ويحدث هذا في وقت نجح النمو الاقتصادي في جذب مجموعة من السكان الشباب النشطين إلى الطبقة المتوسطة في المناطق الحضرية. وهذه الطبقة المتوسطة الجديدة لم تعد مقيدة بأنظمة الرعاية والكفالة السائدة في القرية، ولكنها أيضاً لا تتمتع بالعلاقة الحميمة التي تربط الطبقة المتوسطة القديمة بأهل النخبة. ولكن تُرى هل تؤدي أزمة النخبة هذه إلى لحظة هندية أشبه بلحظة ميدان السلام السماوي في الصين؟

باستثناء الأنظمة الحاكمة الشمولية، فإن أهل النخبة في أي بلد يعتمدون درجة من القبول الشعبي، المستمد في أغلبه من اعتقاد مفاده أن أهل النخبة يتسمون عموماً ''بالنزاهة'' في تعاملاتهم. وفي أعقاب سلسلة الفضائح الأخيرة فإن المواطن الهندي المتوسط لم يعد يعتقد في نزاهة أهل النخبة.

بطبيعة الحال، لا تقتصر الشكوك في أهل النخبة الحاكمة على الهند. والواقع أن كل البلدان التي مرت بحالة من التحول من توازن ما قبل عصر الصناعة القائم على المحسوبية والرعاية إلى توازن جديد قائم على المؤسسات الحديثة وحكم القانون واجهت أزمات مماثلة في الشرعية.

فحتى أوائل القرن الـ 19، على سبيل المثال، كانت السياسة البريطانية فاسدة إلى حد غير عادي. ولم يكن أهل الطبقة الأرستقراطية القديمة يهيمنون على مجلس اللوردات فحسب، بل كانوا يستخدمون نفوذهم لضمان انتخاب أقاربهم وأصدقائهم وخدمهم في مجلس العموم، وذلك باستغلال نقطة ضعف مؤسسية رئيسة ــــ وجود ''المناطق الانتخابية الفاسدة'' التي يمكن شراؤها وبيعها.

ويقال إن دوق نيوكاسل وحده كان يسيطر على سبع من هذه المناطق، باثنين من النواب في كل منها. وفي الوقت عينه كانت المدن الصناعية الضخمة المكتظة بالسكان مثل برمنجهام ومانشستر ممثلة بالكاد. وفي عام 1918، اجتمع حشد مؤلف من 60 ألف شخص في مانشستر للمطالبة بالإصلاح، ولكن السلطات أطلقت عليهم سلاح الفرسان. وأسفرت تلك الواقعة عن مقتل 15 شخصا، وإصابة العديد بجراح فيما أطلق عليه ''مذبحة بيترلو''.

وفي ضوء الذاكرة الحديثة للثورة الفرنسية العنيفة، وافق أهل النخبة في بريطانيا على مضض على الإصلاحات الديمقراطية. وفي نهاية المطاف ألغى قانون 1832 المناطق الانتخابية الفاسدة وعمل على تمديد حق الانتخاب إلى الطبقة المتوسطة الجديدة (أما أهل الطبقة العاملة والنساء فكان عليهم أن ينتظروا بعض الوقت).

والولايات المتحدة أيضاً مرت بفترة من التصنيع اتسمت بهيمنة رجال الأعمال القساة الأقوياء في سبعينيات وثمانينيات القرن الـ 19. وبلغ الجشع والفساد في ذلك العصر مبلغاً جعل مارك توين وتشارلز دادلي وارنر في عام 1873 يتناولاها بالهجاء والسخرية في كتابهما ''العصر المطلي بالذهب''. ثم انتهت تلك الفترة بالكساد أثناء الفترة 1893 ـــ 1896، ثم أعقبتها الإصلاحات السياسية الكبرى في العصر التقدمي.

كان التحول في طبيعة النخبة الحاكمة في بريطانيا والولايات المتحدة سلساً نسبيا. ولكن هناك العديد من الأمثلة حيث كانت مثل هذه التحولات فجائية وعنيفة ـــ كما حدث في الثورتين الفرنسية والروسية ـــ على سبيل المثال. وفي ألمانيا نجح أهل النخبة البروسية القديمة في إدارة التصنيع في البلاد في أواخر القرن الـ 19، ولكنهم فقدوا مصداقيتهم بسبب الهزيمة في الحرب العالمية الأولى. ثم جاءت النازية لتشغل الفراغ الناجم، ولم ينشأ التوازن الجديد إلا بعد الحرب العالمية الثانية.

ولقد حدثت تحولات مماثلة في آسيا. فشهدت اليابان تحولين ـــ استعادة حكم ميجي في عام 1868، ثم فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وكان الجنرالات يحكمون كوريا الجنوبية إلى أن أدت الاحتجاجات الطلابية الواسعة النطاق إلى التحول الديمقراطي في عام 1987. (واجه العديد من كبار رجال الأعمال في البلاد ملاحقات قضائية في السنوات اللاحقة). وشهدت إندونيسيا تحولها في وقت أقرب كثيراً، في عام 1998.

وعندما واجهت الصين هذه اللحظة أثناء أحداث ميدان السلام السماوي في عام 1989، سارعت الدولة الشيوعية إلى قمع الطلاب بقبضة من حديد، ولكنها منذ ذلك الوقت ركزت كل جهودها على النمو الاقتصادي. ويظل الفساد في الصين يمثل مشكلة رئيسة، ولكن السلطات تحرص على معاقبة أسوأ التجاوزات بطريقة بالغة الوضوح. بيد أن الحكومة تظل رغم ذلك، وكما أثبت الجدال الذي شب أخيرا حول جائزة نوبل للسلام، تشعر بالتوتر الشديد إزاء أي معارضة تطعن في شرعية النخبة الحاكمة.

وفي الهند سنجد أن الطبقة المتوسطة الحالية قد لا يتجاوز مجموعها اليوم 70 مليون نسمة (وهو رقم أقل كثيراً من المفترض عموما). ولكن من المتوقع على مدى العقد الذي بدأ للتو أن تُغمَر الطبقة المتوسطة الراسخة بأعداد كبيرة من القادمين الجدد الذين يشقون طريقهم إلى الأعلى من الأحياء الفقيرة والمدن الصغيرة والقرى في البلاد.

وبوسعنا أن نرى هؤلاء القادمين الجدد في كل مكان ـــ يتعلمون اللغة الإنجليزية في ''مراكز التدريب''، ويعملون كأشخاص مجهولين في مراكز التسوق الجديدة ومراكز الاتصال، أو يبرزون فجأة كمشاهير كما هي حال نجوم الرياضة. ولم يسبق للهند من قبل قط أن شهدت مثل هذا الحراك الاجتماعي. وحتى الآن كان أفراد هذه المجموعة الجديدة مشغولين بالتسلق على سلم الدخل إلى الحد الذي يمنعهم عن التعبير عن استيائهم إزاء التجاوزات التي يرتكبها أهل النخبة، ولكن بوسعنا أن نستشعر حساً متنامياً بالغضب بين أفراد هذه المجموعة.

قد يكون من المستحيل أن نتكهن بموعد حدوث التحول أو الهيئة التي قد يتخذها في الهند. ونظراً للتقاليد الديمقراطية في الهند، فمن المرجح أن يحدث التغيير سلميا. ومن المحتمل أن يحدث في إقليم بعد إقليم ـــ وتشكل ولاية بيهار التي كانت غير قابلة للحكم في وقت سابق مثالاً واضحاً لهذا النوع من التحول.

ولكن قد نرى أيضاً تحولاً غير متوقع، على يد زعيم سياسي جديد أو حركة تتمكن فجأة من أسر مخيلة عامة الناس وإزاحة الترتيبات القديمة. وكما نعرف من تجربتنا مع ألمانيا النازية وغير ذلك من الحالات، فإن مثل هذه الحركات لا تقود الناس دوماً إلى نهاية سعيدة.

ولعل النخبة الحالية في الهند تتعلم من التاريخ، فتطهر نفسها وتنفتح على المواهب الجديدة. والواقع أن العديد من التحقيقات في فضائح الفساد الحالية بدأت بالفعل. وفي غضون العام المقبل، سيكتشف أهل الهند ما إذا كانت هذه الجهود جادة وما إذا كانت ستقود إلى الإصلاح حقا ـــ أو إلى أزمة أشد عمقا.

خاص بـ ''الاقتصادية''

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2011.

www.project-syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية