شهدت المملكة الأسبوع الماضي رعاية كريمة من القيادة لتدشين أحد المشاريع العملاقة في صناعة النقل الجوي، حيث رعى نائب خادم الحرمين الشريفين الأمير سلطان بن عبد العزيز آل سعود حفل تدشين البدء في البناء، ووضع بيده الكريمة حجر الأساس لمشروع مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة, الذي يعتبر البوابة الجوية للحجاج والمعتمرين, إضافة إلى كونه مطار العاصمة التجارية للمملكة العربية السعودية. ومن خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده الأمير فهد بن عبد الله, مساعد وزير الدفاع والطيران والمفتش العام لشؤون الطيران المدني نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للطيران المدني رئيس اللجنة التنفيذية ورئيس اللجنة الإشرافية لمطار الملك عبد العزيز الدولي, يتبين أن لدى هيئة الطيران المدني الضوء الأخضر لبدء خصخصة المطارات وطرح أعمالها للقطاع الخاص. المتخصص في صناعة النقل الجوي بشقيها الرئيسين الخطوط والمطارات، يعلم أن واقعها في المملكة تدنى خلال العقود الثلاثة الماضية، وتزامن ذلك مع ثورة في هذه الصناعة على المستوى العالمي حتى الإقليمي, حيث ظهر في المنطقة دبي على الخريطة العالمية كمركز تنموي عالمي لمطار وخطوط جوية تصنف كسبع نجوم ونمو سنوي للركاب بالملايين, حيث سجل السنة الماضية أكثر من 40 مليون مسافر. ليس هذا فحسب، بل لدى دبي خطة للهيمنة على عامل التوسط الجغرافي للمنطقة وما فيها من مزايا سياسية ومالية وصناعية وثقافية، حيث أسست لمركز دبي العالمي Dubai World Central, الذي يضم قطاعات كبرى تتكامل مع المطار، كالشحن والإمداد والتصنيع والتعليم والتدريب والسياحة وصناعة الفعاليات والمؤتمرات. كما أن ظهور الدوحة وأبو ظبي كحاملين ومنافسين لنموذج دبي مع ما لديهما من ميزة الوفر المالي، يجعل المنافسة صعبة، ويدعو القائمين على الخطة الاستراتيجية لمطار الملك عبد العزيز وغيره من المطارات إلى التفكير مليا في كيفية تحقيق الآمال، وتخطي العوائق التي نراها الآن.
كشف المؤتمر الصحافي عن خطة لجعل المطارات تحت مظلة شركة قابضة، وقد تسمى هذا الشركة (الشركة القابضة للمطارات)، كما عملت مصر الشقيقة قبل خمس سنوات، حيث يبدو أن هيئة الطيران المدني في جدة متأثرة بقربها الجغرافي من القاهرة التي تعاني مستوى متدنيا في صناعة النقل الجوي، وهيمنة الإجراءات البيروقراطية وغياب الشفافية، وتولي كوادر ليس لها علاقة بصناعة النقل الجوي زمام اتخاذ القرار، وإلا فإن موقع مصر الاستراتيجي ومواردها العلمية والسياحية والطبيعية يجعل دبي أمامها قزمة، أما عند المقارنة بين مطاري دبي والقاهرة من حيث الجودة والعائد على الدخل الوطني وسهولة وشفافية منصة الاستثمار للمواطن والأجنبي، فالأمر عكس ذلك، بل إن الفرق شاسع جدا لمصلحة مطار دبي وخطوط دبي.
منهجية جعل المطارات كشركة قابضة أو غيرها من المنهجيات أو الأسماء ليس المهم، بل الأهم قدرة هيئة الطيران المدني ــــ وهي الجهة التشريعية الباقية دوما كالقاطرة وبقية القطاعات كعربات القطار ـــ نقول قدرتها على إدارة هذا القطاع بطريقة فاعلة وشفافة من خلال كادر بشري يعي ويتكيف مع الطبيعة السريعة والتنافسية لصناعة النقل الجوي. وعلى الرغم من مرور خمس سنوات على إطلاق مبادرات التطوير من قبل هيئة الطيران المدني، إلا أن كثيرا من المرافق باقية على حالها، بل تراجع بعضها إلى الوراء كالأسواق الحرة التي تحتكرها شركة واحدة، وعندما أراد مستثمر أن يفتتح كشكا صغيرا في مطار الملك خالد الدولي في الرياض لبيع مستلزمات الطيران والطيارين ـــ وهي ميزة مضافة للمطار ــــ دخل في نفق البيروقراطية المظلم لشهور عدة دون إجابة واضحة. المقصود هل تستطيع هيئة الطيران المدني عرض أعمال المطارات بشفافية وعدلية أمام القطاع الخاص، لأن ذلك هو السبيل الوحيد للرقي بالمطارات إلى مصاف زميلاتها العالمية. من المعروف أن عوائد المطار تأتي من روافد معروفة ومحدودة منها رسوم هبوط الطائرات، رسوم مواقف الطائرات، رسوم البوابات الجوية، شركات المناولة الأرضية وشركات الوقود، عوائد تأجير مرافق الأسواق الحرة وغيرها من المحال، عوائد مواقف السيارات وغيرها من العوائد. ومن المعروف أيضا أن الإنفاق الحكومي على المطارات يأتي عبر عقود التشغيل والصيانة وهي عقود لمدة ثلاث سنوات يتم توزيعها على المطارات الدولية الثلاثة وعلى بقية المطارات الداخلية الثلاثة والعشرين. هيئة الطيران المدني لم تستطع إنشاء مواقع إنترنت تتلاءم مع مكانة هذه الصناعة في المملكة، ويكفي تفحص موقعها الحالي على الإنترنت ومستواه المتواضع، لمعرفة المسافات الزمنية والإدارية التي تفصل بينها وبين الهيئات الأخرى، التي تقدم وبشفافية للمستثمر أعمال القطاعات والمطارات من مصروفات وعوائد. إن التفكير في طرح قطاعات هيئة الطيران المدني أمام القطاع الخاص لن يتأتى إلا بتقديم النموذج التجاري أمام الرساميل المحلية بشفافية وعدلية، وهي خطوات لم يرها المستثمر السعودي خلال السنوات الخمس الماضية.
