قبل سنوات قرأت نبأ وفاة والدة أحد الزملاء، الذي أصبح فيما بعد مسؤولاً كبيراً. نشر الخبر في أغلبية الصحف السعودية، وكانت الصلاة في جامع الراجحي الذي ازدحم بالمصلين، وكانت المقبرة مزدحمة أيضاً بالمعزين. كنت عند القبر لأكسب فضل المشاركة في دفن الجنازة، وتجنب الكلام فيما لا يفيد في هذا المكان. اقتربت من القبر لكنني لم أرَ زميلي (المسؤول الكبير). عندما انتهينا من الدفن، التفت فوجدته يقف بعيداً عن القبر تحت ظل سيارة الإسعاف، ولم يشارك في دفن أمه، وكان الناس يمرون عليه ويعزونه (مجاملة على ما يبدو)، رغم أنه لم تبدُ عليه أي مظاهر للتأثر، ولا حتى تصنعا.
انتهينا من الدفن ودعونا لها، وبدأ أبناؤها بتقبل التعازي. لكن الذي آلمني وآلم إخوته كذلك، أنه لم يشارك في الدفن، لا أقول بثلاث حثيات من التراب ولكن حتى بواحدة، بل إنه لم يقترب من قبرها ولم يدعُ لها! وكأنه والله واحد من أبعد الناس عن صاحبة الجنازة، أو لا يعرفها.
الغريب في الأمر أيضاً، أنه في اليوم التالي امتلأت الصحف بإعلانات العزاء، الموجهة لذات الزميل، من الشركات والمؤسسات (المستفيدة) وبعض الأفراد، في وفاة تلك الوالدة المنسية، لذا حرصت على الذهاب إلى (قصر) ذلك الزميل المحروم، فوجدته ممتلئا بقوافل المعزين. قلت في نفسي: الله أكبر، كل هذا لتقديم الواجب لمن لم يعرف حتى ذرة من الوصل!
على النقيض من هذا المشهد، أرسل إلي معالي مدير جامعة الملك سعود الأخ والزميل الدكتور عبد الله العثمان، رسالة جوال في صباح يوم الثلاثاء (7-2-1432هـ) يخبرني بوفاة والده رحمه الله، وكانت الصلاة في مسجد الإمام عبد العزيز بن باز في الصحنة، والدفن في مقبرة نعجان في محافظة الخرج. لما جاءت سيارة الإسعاف، كان معالي المدير راكباً مع السائق وتبدو على وجهه علامات الحزن العميق والانكسار والتذلل. كنت من أوائل من قدم له العزاء، وأجبرني مشهد بره بوالده وهو ميت، أن أقبل رأسه تقديراً وإجلالا لما شاهدت عليه من مظاهر التأثر. أخذنا الجنازة للقبر وكان معاليه أول من نزل في القبر ليوسده فيه، وحيث كان الوداع الأخير لرحلة البر الطويلة, كان في آخر أيام مرضه كثير المداومة في المستشفى، ولما انتقل إلى رحمة ربه كان قريبا منه، ونقله من ثلاجة المستشفى إلى المسجد حيث قام بتغسيله وتكفينه مع المغسل.
وما دمنا في هذه الدنيا التي ينظر لأحداثها وتعامل الناس فيها، على مبدأ الشاهد والمشهود، فقد كنت بعد الدفن مع أحد أصدقاء الدكتور العثمان منذ طفولته، حيث يقول إن بر الدكتور بوالديه شيء عجيب يفوق كل التصورات، بل إن صلته لم تقتصر على والديه، بل يصل جميع أقاربه وأصدقاء والديه. من المصادفات الطريفة التي مرت علي منذ شهر، أني كنت في نقاش مع الطلاب في كلية الطب، فأخبرنا أحد الطلاب بمعلومة تدل على بر الدكتور العثمان بوالديه، قال: إن أراد أي إنسان شيئا من مدير الجامعة فما عليه إلا أن يذهب إلى أمه، فهو لا يرد لها طلبا!
في المشهدين: بين الزميل الأول الذي أجحف بحق والدته، والدكتور العثمان البار الواصل بوالديه، عبر ودروس. فالإسلام وحرصه على الرفق بالإنسان، خصوصاً كبير السن، جعل من أهم مبادئه بر الوالدين، خاصة مع تقدمهما في السن، "إما يبلغن عندك الكبر"، ولم يقدم عليه إلا الصلاة في أوقاتها، بل حتى الجهاد في سبيل الله الذي هو ذروة سنام هذا الدين، وُضع في الدرجة الثالثة بعد بر الوالدين. فالمرء الواصل والديه، سوف يجد نتائج فورية في هذه الدنيا من سعة الرزق وراحة البال وحفظ وتوفيق في الأبناء.
وختاماً، فإن لي تساؤلا خاصا: هل سوف نرى جحافل المعزين لصاحبنا الأول خصوصاً وقد أحيل للتقاعد؟! بل وهل نقرأ في الصحف عزاء الشركات والأفراد لأحد من أقاربه؟ أم قد لا يعلم حتى بموته أحد!
