الخميس, 5 نوفمبر 2026|24 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

لا شك في أن القمة العربية الاقتصادية والتنموية والاجتماعية الثانية التي تُعقد في شرم الشيخ المصرية، ستحقق خطوات عملية في نطاق توصيفها. فالعامان الفاصلان بين القمة الأولى (في الكويت) والثانية، شهدا حراكاً لافتاً على صعيد استكمال آليات العمل، بصرف النظر عن بطء في هذا المشروع، أو تأخر ذاك. فالمشاريع الكبرى ـــ في العادة ـــ يمكن أن تخرج قليلاً ـــ وأحياناً كثيراً ـــ عن نطاقها الزمني المحدد لاستكمالها، وهذا يحدث حتى في تجمعات الدول المتقدمة.. الذي يضفي على هذه القمة أهمية كبيرة، أن الاقتصاد هو الذي يقود التعاون في العالم العربي، وبات يقترب من القاسم المشترك المطلوب، لعالم نحّى جانباً قواسم مشتركة هائلة تجمعه. فإذا كانت السياسة قد أفسدت التعاون الاقتصادي بين العرب في العقود الماضية، ليكن الاقتصاد مُصلحاً للتعاون السياسي المطلوب. وفي التاريخ العالمي، كان الاقتصاد المحفز الأول للتعاون السياسي، بل كان محفزاً وحيداً في بعض الحالات لفيدراليات واتحادات جمعت دولاً في دولة واحدة. وكلنا يعلم أن النواة الأساسية للاتحاد الأوروبي، كانت عبارة عن اتفاقية حول التعاون في مجال الحديد والصلب بين دول أوروبية لم تتجاوز الخمس. وتدرج توصيف الاتحاد على مدى خمسة عقود من دول تلك الاتفاقية، إلى السوق المشتركة، إلى المجموعة الأوروبية، إلى توصيفه الراهن.

الخطوة الأولى التي انطلقت في الكويت عام 2009، كانت ثابتة وقوية.. لماذا؟ لأن كل المعنيين اتفقوا على أن التنمية والمشاريع الاستراتيجية، ولا سيما تلك التي تنشر المنفعة المشتركة بين الدول كلها، ينبغي أن تكون من ضمن الأولويات، دون المساس بالطبع بالأولويات السياسية المصيرية العربية المعروفة، لأن الأولويات الأولى لا شك في أنها تكمل الثانية. وعلى هذا الأساس سارت المشاريع التي انطلقت من قمة الكويت، بصورة متوازنة، خصوصاً أنها تشمل كل شيء.. بدءاً بالمشاريع الاستراتيجية المشتركة، وانتهاء بقضايا التنمية، ومروراً بالحد من الفقر، والوصول إلى أفضل حالة من الأمن الغذائي، والحرب ضد الأمية، ومواجهة البطالة، وتحسين ظروف التعليم، والاهتمام باقتصاد المعرفة والبحث العلمي.

وعلى الرغم من هذه المشاريع الهائلة، التي تحتاج إلى سنوات من أجل إتمامها، وورش عمل لا تتوقف، إلا أن تركيز القمة العربية الاقتصادية الثانية، على مجموعة من المحاور، يزيل التشتت في طرح القضايا، ويبعد الفوضى التخطيطية عن آليات التنفيذ، خصوصاً أن هذه المشاريع تأتي ضمن النطاق المكمل للتعاون الاقتصادي العربي، وبالتالي المساعد على التكامل الاقتصادي، بصرف النظر عن المدة ـــ وهي طويلة ـــ التي تفصلنا عن هذا التكامل. فمشاريع الربط الكهربائي، وقضايا النقل البحري، ومشروع الغاز، وصندوق دعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة، كلها مشاريع تدخل في صلب التنمية الشاملة، بما في ذلك المنفعة المشتركة، وتوفير فرص العمل، وتحريك جوانب راكدة في بعض الاقتصادات العربية. وإذا ما تم الوصول إلى مرحلة إنجاز هذه المشاريع، فإن العرب يستطيعون ببساطة الانتقال إلى مراحل جديدة من التنمية الشاملة.. فـ ''المُنتَج'' الاستراتيجي يحتاج دائماً إلى مساحة من الزمن، وإلى رؤى واضحة، وإلى أهداف واقعية لا عاطفية. ويحتاج أيضاً إلى فهم لما سيجري أولاً، لا لما جرى فقط. وقد استطاع العرب في قمتهم الأولى، وضع خريطة واضحة المعالم، تبينوا من خلالها أن التكامل الاقتصادي ليس شعاراً يُرفع (وما أكثر الشعارات العربية)، وليس بياناً موسمياً يُلقى، وإنما هو مسؤولية تاريخية كبرى تُحاكي المستقبل.

إن القمم الاقتصادية والتنموية والاجتماعية العربية وما ينتج عنها ليست سوى محطات ضرورية للوصول إلى أعلى معايير التعاون الاقتصادي ـــ الاستراتيجي، الذي يفيد مشرق الوطن العربي ومغربه، تمهيداً لتكامل سيكون مستحقاً بعد ذلك.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية