الاثنين, 2 نوفمبر 2026|21 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

كانت الولادة الأولى للرأسمالية من رحم فضاء الليبرالية في القرن الثامن عشر، وكان الاستعمار والرق من أبرز مظاهرها، وتلك هي المرحلة الكلاسيكية للرأسمالية غير أن هذه الرأسمالية انهارت قبل انهيار الشيوعية عندما ضرب الكساء الكبير عام 1928، لكنه انهيار لم ينجم عنه انهيار النظام السياسي، كما حدث للاتحاد السوفياتي في أوائل العقد الأخير من القرن الماضي.

اليوم يعاني الغرب انهيارا آخر للرأسمالية، لم يصل إلى الحدة التي بلغها في السابق، ربما لأن الدولة هذه المرة بادرت إلى تدارك الخطر في التمويل الذي منح صانعي الأزمة فرص التماسك والبقاء، خصوصاً البنوك والمصارف والمؤسسات المالية والشركات الكبرى، التماسك الذي ما زال يعاني أعراضاً هيكلية بليغة دفع أثمانها الموظفون المسرحون ارتفاع نسب البطالة، ومن فقدوا منازلهم، وباتوا في العراء.

لقد أسفرت الأزمة الأولى التي وجهتها الرأسمالية عن ولادة ثانية للرأسمالية تختلف عن طروحاتها الكلاسيكية، كان أبرز ملامح حضورها الجديد متمثلاً فيما عرف بالكينزية أو دولة الرفاه، فيما أسفرت الأزمة الحالية عن تكون قناعتين متقابلتين فمن ناحية أثبتت الرأسمالية مرة أخرى أنها نظام اقتصادي يملك قابليته التجدد والتجاوز لمعضلاتها الهيكلية والإجرائية، نظراً لامتلاكها أدوات عملية نفعية نابعة من الطبيعة الإنسانية في سعيها للتملك والتربح والتصرف بالجهد الإنساني بحرية، وهو ما تمانع في العمل، وفقاً لها النظرية الشيوعية التي تجعل من هكذا سلوك أو نشاط مدعاة للتفاوت الطبقي والاحتكار وتعاظم الثروة لدى البعض، ما أسفر عند التطبيق لمدى سبعة قرون عن انحطاط الفاعلية الاقتصادية بالتكديس الكمي للإنتاج على حساب الكيف والاستحواذ على المواد الخام في المصانع من أجل ذلك وارتكاب مظالم بشعة زعمت الحرب عليها فكانت هي القابلة الرهيبة التي ولدتها.

القناعة الأخرى المقابلة حيال أداء الرأسمالية ذهبت إلى أن الإفراط في التعويل على حرية الحافز المعنوي النفعي للتربح والمكسب الشخصي، هي ذاتها التي هبت منها رياح إطلاق العنان للسياسات المالية كي تقود عجلة الاقتصاد، ما أدى إلى تضخم دفتري وهمي للثروة الناجمة عن العمليات التجارية والصفقات والأسهم والسندات، لأنها لا تتفق مع أقيامها الاقتصادية الحقيقية، كما أدى إلى التراخي في الرقابة على القروض والرهون والتساهل في الشروط المفروض توافرها، ما أفرز ظاهرة الأصول الفاسدة ومسلسل القروض المعدومة التي أدت كلها إلى ما عرف بفقاعة العقار، فقاعة الأسهم والسندات وبطاقات الائتمان.

واجهت أمريكا هذا المأزق بضخ النقد، بطباعة مليارات الدولارات رهاناً على حجم ووزن اقتصادها الكبيرين وعلى تورط العالم في الارتباط بالدولار بعدما أطاحت في السبعينيات بالذهب كغطاء وتعويمها له بديلا، فيما واجهه الاتحاد الأوروبي بالتقشف مع تدخل الدولة لإنقاذ مؤسساتها المالية وشركاتها، غير أن الوضع الراهن أشعل حرب عملات، دولية ولم يتعاف الدولار من مأزقه بعد، كما قد يدفع اليورو ثمن هذه الحرب إن لم يذهب ضحية لها.

الجدل المعرفي العلمي الاقتصادي بين أقطاب المدرسة الرأسمالية ما زال محتدماً، ولم يتضح بعد أي طريق ستسلكه الرأسمالية لتصحيح مسارها، وإنقاذ نفسها هذه المرة، إلا أن من الواضح أن علاجها سيخرج من صلب فلسفتها مستفيدة بالتأكيد من التطور النوعي لسلوك الاقتصاد الحديث في دخوله طوراً جديداً في زمن العولمة وأدواتها والطغيان العارم لاقتصاد المعرفة القائم على تقنية المعلومات بشروط ومواصفات لم تكن ضمن الضرورات التي قام عليها الاقتصاد الكلاسيكي أو الصناعي من قبل. أما عن ملامح الرأسمالية القادمة .. وكيف ستكون الولادة الثالثة لها فقد لا يتأتى معرفة ذلك إلا بعد عقدين من السنوات، الفترة التي حددها بعض الاقتصاديين للخروج من الأزمة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية