الأحد, 1 نوفمبر 2026|20 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

دولة وليدة توشك أن تظهر إلى الوجود من رحم السودان الكبير, بمساحته وخيراته وأيضا مشكلاته, التي تحولت من مشكلات دستورية حول هوية الدولة والتوافق بين عنصري الأمة, إلى قضية دولية طرحتها المصالح وما خفي من الأجندة غير المعلنة, ولا يمكن تجاهل التعقيدات الداخلية التي فتحت عدة جبهات في جسد كبير صعب عليه أن يسيطر على مجريات الأحداث في كامل إقليم الدولة فاستسلم لما يخطط له في الخفاء وما تقذفه له الرسائل الدبلوماسية من ضرورة انفصال الجنوب في دولة مستقلة ذات سيادة كاملة.

ومن المؤكد أن هذه الدولة الوليدة لم تأخذ اسما في الحياة الدولية, لكنها ستحظى بالاعتراف الدولي من عدة دول دفعة واحدة, فضلا عن الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية, فالاستفتاء في طريقه إلى إعلان الانفصال لأنه الخيار الأكثر سلما رغم ما سيولده من تحديات حول قدرة الجنوبيين على إدارة دولتهم وتحقيق طموح شعبهم في حياة مستقلة تضع مدخرات هذا الإقليم لتنميته ورفاه شعبه, ولعله الدافع الأول لتنامي رغبة الانفصال عن الشمال, الذي لم يستفد كثيرا من مقدراته لتحقيق قدر مقبول من التنمية والرفاهية.

إن ما يمكن تسميته مؤقتا دولة جنوب السودان ستواجه معضلات إدارية, فهذا الشعب لم يتعود إدارة أزماته بنفسه ولم تتكون لديه القدرات الإدارية على التخطيط للتنمية والسلم والاستفادة من مقدراته, فالعقود الماضية كانت أعمالا حربية ومقاومة شعبية ودعوة سياسية للاستقلال, الذي يوشك أن يتحقق قريبا, ولا يبدو في الأفق سوى مبادرة دعم دولية لهذا الكيان الجديد, وهي مبادرة قد تضع في الاعتبار مكاسب الداعمين على حساب حقوق شعب الجنوب, فالنفط ثروة كانت سببا لصراع السودان مع عدة دول بين متسابقين نحو الاستفادة من هذه الثروة الكامنة في باطن الأرض ومن يرى أن الوقت لم يحن بعد لاستخراجها والاستفادة منها, فالمستقبل الدولي للطاقة يفرض وجود مخزون استراتيجي طبيعي يتم اللجوء إليه عند الاحتياج وفق رؤية أصحاب القرار في الإدارة السياسية لأهم الدول المستوردة للنفط والأكثر احتياجا إليه في المستقبل.

إن المؤمل أن تكون العلاقة بين دولتي الشمال والجنوب سلمية، وأن يكون التعاون وليس العداء سيد الموقف, فالانفصال لا يعني القطيعة أو بدء صراع حدودي, إذ تبقت عدة مشكلات عالقة لعل أهمها المسائل الاقتصادية التي تتحقق مصلحة الطرفين بصيانتها من التدمير, الذي سيلحق أضرارا فادحة تضاعف خسائر العقود الماضية, فالعملة الحالية للدولتين هي الجنيه السوداني الذي يشهد تحسنا طفيفا في الأسواق ويصعب على دولة الجنوب الاستغناء عنه أو إصدار عملة بديلة, هناك أولويات تفرض نفسها على جدول الأعمال, كما أن التعاون في استخراج النفط وتكرير ما يكفي للاستخدام الداخلي وتصدير كميات منه للخارج مصلحة مشتركة للشمال وللجنوب بالدرجة الأولى.

لقد كانت المشكلة الاقتصادية هما كبيرا على حكومة السودان, ويبدو أنها ستبقى كذلك, فالاستثمارات الأجنبية فيها غير مستقرة بما يكفي لتحصيل مردود طويل الأجل, والمخاوف من نتائج التنافس الدولي على الثروة تطرح نفسها بقوة داخليا وخارجيا, كما أن معوقات التعاون الدولي ستظل قائمة حتى تخف أو تزول حدة الصراع بين السودان وجبهة المجتمع الدولي التي تسعى نحو تعزيز الانفصال والتأثير في طبيعة العلاقة المستقبلية بين دولتي الشمال والجنوب.

ورغم أن الانفصال وحق تقرير المصير لشعب الجنوب المختلف عن الشمال عرقيا ودينيا لم يكن محل ترحيب لدى دول المنطقة إلا أنه قد يساعد دولة الشمال على التفرغ لمشكلاتها والبحث عن مخرج يضمن الاستقرار الداخلي وتحقيق قدر من التنمية يناسب حجم الثروة النفطية والمائية والبشرية التي ستكون أقدر على بناء دولة أكثر استقرارا ومشاركة في وظيفتها في عالم عربي يعاد رسمه ويعيد بناء نفسه.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية