الأحد, 1 نوفمبر 2026|20 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

ربما لا يصدق العربي المتعلم أن نسبة الأمية العربية تصل إلى 40 في المائة حسب تقرير "الأسكوا"، وأنها في حدود 60 ـــ 70 في المائة حسب تقرير "اليونسكو"، وأن تقرير التنمية البشرية العربية أوضح أن نحو 65 مليون مواطن عربي أميون .. لكن أياً كان موقف المتعلم العربي فتلك الأرقام والنسب تقدم مؤشراً خطيراً على أن ما يقارب ثلث سكان العالم العربي أميّون، وأن مرتبة الأمية في النساء تتجاوز 50 في المائة، ما يعني أن الأمة العربية تعتمد على الثقافة السمعية، والسمعيون غالباً يقعون ضحايا للإشاعة والتضليل والخداع مثلما هم الأقرب للوقوع في مخاطر صحية وأمنية واقتصادية على حد سواء.

السؤال الذي ينبت من هذه المؤشرات: أين دور التعليم العربي؟ والجواب ببساطة: موجود ولا موجود، فهو تعليم اتكالي يتكئ على دور الدولة وبما توجهه من موارد مالية لنشر التعليم، وأن القائمين على سياسة التعليم يكتفون بممارسة وظائفهم كعمل روتيني وليس تربويا متعلقا بالمصير والوجود ووزن الأمة المعنوي والاقتصادي والثقافي.

إن الجامعة العربية يستهلكها العمل السياسي أكثر من العمل الاجتماعي والثقافي، لذلك لم تستطع على مدى تاريخها الطويل إحداث تغيير جذري في بنية التعليم والتربية، عدا المؤتمرات الموسمية التي تقر فيها توصيات تجتهد كل دولة في تنفيذها دون متابعة وتقويم من الجامعة.

علاوة على ذلك فالدول العربية مع أنها تكاد تكون مجتمعة أعضاء في هيئات ومنظمات إقليمية، منبثقة عن الأمم المتحدة أو عن سواها وهي منظمات دولية وهيئات تولي التنمية البشرية وخصوصاً التعليم والتربية والثقافة اهتمامات مركزة، باعتبار التأهيل البشري هو الأساس الاستراتيجي الأول في تحقيق التنمية المستدامة التي تعني توسيع مجالات خيارات الإنسان عن طريق المعرفة والعمل، إلا أن الدول العربية لا يبدو أنها تستثمر عضوياتها هذه في تلك المؤسسات وتكتفي بتمرير أوراق العمل أو المقررات الصادرة عنها والتوصيات دون أن تشكل وزارات التعليم والتربية لها آليات إجرائية للتحقق من مفاعيل نتائج ما صدر عن هذه المؤسسات الإقليمية والدولية ومدى الإفادة منها في الخلاص من معوقات التأهيل البشرية وأولها وأخطرها الأمية.

إن المتعلم العربي يخال عالمه العربي ينعم بمستوى جيد من التعليم وأن الأمية شيء نسبى جدا، غير أن المؤسف أنها أمية موجعة معيبة تضرب في الصميم على الصعد كافة، وإذا كان المتعلم يقفز بطموحه إلى حل مشكلة الأمية الثقافية، وهي مشكلة حقيقية، فما بالنا وهي تتضاءل أمام أمة ثلثها أو أكثر من ذلك لا يقرأ ولا يكتب.

إن النصائح في مثل هذه الموقف لا تجدي غير أن ليس بالوسع سوى أن نلجأ إليها، ليس على سبيل الوعظ والخطاب، وإنما من قبيل الإهابة بوزارات التعليم العربية وبالجامعة العربية وبمن يمثلوننا في المؤسسات والمنظمات والهيئات الدولية كي يلتفتوا إلى كارثة الأمية التي تهدد الكيان العربي في أعز ثرواته وهو الإنسان، في عصر بات التنافس فيه محتدماً على توفير الميزات النسبية للقوى البشرية الوطنية، وصار السباق على حيازة أكبر وأعمق وأندر قدر من نوعية التعليم والعلم والمهارة هو المحك وهو الضمان للإمساك بعنان التقدم والبقاء بكرامة وشموخ بين الأمم!!

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية