الثلاثاء, 3 نوفمبر 2026|22 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

لماذا فشلنا حيث نجحوا؟ سؤال رفعته طلائع التنوير العربية، قبل أكثر من قرن. ويواجهنا السؤال الآن: لماذا نجح الأوروبيون في تحقيق وحدتهم واتجهنا نحن إلى الفرقة. ولماذا يصعد مؤشر الخط البياني الأوروبي باستمرار إلى الأعلى، بينما يتجه المؤشر العربي، باستمرار إلى الأسفل: حروب أهلية واحتقانات طائفية، وتفكك للدولة الوطنية، وعجز شامل عن إيقاف النزيف.

بدأ النظام العربي بالتشكل، بتأسيس جامعة الدول العربية، المعضدة بحقائق الدين والتاريخ والجغرافيا واللغة. ومع كل هذه العناصر لم تتحقق الوحدة، مع كثرة المعاهدات والبرتوكولات التي وقعها القادة العرب، منذ تأسيس الجامعة عام 1945، شملت مجالات الاقتصاد والسياسة والثقافة والعلوم.

إن المقاربة بين ما تحقق على الصعيد العربي، وما تحقق أوروبيا، تؤكد فشلنا حيث نجحوا. لقد تراجع الصراع بين أوروبا والخارج، بعد تضعضع السلطنة العثمانية، وتوقف الحروب الصليبية، بفعل تقهقر الدور السياسي للكنيسة، وسيادة الأنظمة الوضعية، والاستناد إلى العلاقات التعاقدية. أصبح الصراع، بعدها يدور بين الأوروبيين أنفسهم، وبشكل خاص بين الفرنسيين والألمان. بمعنى أن مشكلة أوروبا مع نفسها، بينما مشكلة العرب غدت بعد الحرب الكونية الأولى مع قوى فتية، كولونيالية، استهدفت حريتهم وحقوقهم.

يحدث ذلك رغم أن الأوروبيين خاضوا حربين عالميتين، فشرارة الحرب العالمية الأولى، سببها قيام طالب صربي باغتيال ولي عهد النمسا. وانتهت الحرب لكنها تركت ملفات كثيرة معلقة، بحيث يمكن وصفها، بأنها حرب لم تكتمل. وجاءت الحرب العالمية الثانية، بمبادرة ألمانية، لتتصدى لتداعيات الحرب الأولى، ولتفتح الأبواب، لأعنف حرب عرفتها البشرية.

إن المقاربة بيننا وبين أوروبا، ترجع كفة العناصر الجاذبة لوحدة العرب، والعناصر الطاردة لفكرة الوحدة الأوروبية. وهنا بالدقة تكمن وجاهة السؤال: لماذا تمكنوا من تحقيق وحدتهم وفشلنا نحن؟!

الواقع أن حالة الدمار التي تسببت فيها الحربان الكونيتان أدت إلى تحول في التفكير الأوروبي، حيث أصبحت الوحدة إنقاذا لأوروبا من نفسها، ومنعها من الانتحار، ووسيلة لتجاوز حالة الكراهية.

أسفرت الحرب العالمية الثانية، عن تراجع دور أوروبا، وقيام نظام دولي جديد مستند إلى ثنائية قطبية: أمريكية سوفياتية. ومع تطور الصراع بين العملاقين، بدأت تلوح بوادر الخطر السوفياتي على أمن أوروبا الغربية، التي اختارت الطريق الرأسمالي. وكان تحالفها العسكري والسياسي مع الولايات المتحدة، صمام الأمان في مواجهة التهديدات السوفياتية. ولأن دول أوروبا مجتمعة، أصبحت بعد الحرب أطرافا تابعة إما للأمريكيين أو للسوفيات، باتت أوروبا المنقسمة على ذاتها، بحاجة إلى حماية من خارجها. فتشكل حلف ناتو بزعامة أمريكا، وشكل مظلة عسكرية لحماية أوروبا الغربية، وحلف وارسو وضم الاتحاد السوفياتي، ودول أوروبا الشرقية. أدت نتائج الحرب العالمية الثانية، إلى تراجع الدور الأوروبي، وشمول بلدان أوروبا الغربية، بحماية المظلة العسكرية الأمريكية، وخضوع بلدانها لبرنامج مارشال للإنعاش الاقتصادي. وقد وفرت هذه العناصر، الأرضية لانطلاق الوحدة الأوروبية، حيث وصلت في النهاية إلى ما هي عليه الآن.

كانت المحطة الأولى على طريق الوحدة، تبني مشروعا فرنسيا، استهدف وضع الفحم والصلب، تحت سيطرة أوروبية مشتركة. وكان اختيار الفحم والصلب، كقاعدة للانطلاق أمرا حيويا. فالفحم والصلب هما عصب الصناعة العسكرية، ووضعهما تحت سلطة أوروبية مشتركة، سيساعد على تبديد مشاعر القلق من عودة ألمانيا ''العسكرية'' إلى الواجهة. والمشروع من جهة أخرى، موضع ترحيب من الألمان، كونه يخلصهم من القيود التي فرضتها عليهم نتائج الحرب، باعتبارهم قوة مهزومة.

ارتبطت الوحدة الأوروبية، منذ البداية، بالضرورة التاريخية وقانون المنفعة، وكان المشروع براجماتيا بامتياز. وفي وضع كهذا تكون عوامل المنفعة وحدها الجديرة بالاعتبار، في كل محطات تنفيذ المشروع. لقد جعلت عوامل المنفعة كل طرف من أطراف الشراكة الأوروبية يسعى للحصول على مكاسب أكبر. وذلك أمر طبيعي، ومشروع، حين لا يكون استئثارا، أو تهميشا لأدوار الشركاء الآخرين. وكان من الطبيعي أن يمر مشروع الاتحاد الأوروبي بمعوقات، بسبب التراكمات التاريخية. فقد برز قلق فرنسي من تنامي الدور الألماني، بعد الحرب الباردة، بين أمريكا والاتحاد السوفياتي. وشاطر عدد من البلدان الأوروبية من ضمنهم بلجيكا وهولندا، القلق الفرنسي. وهناك أيضا انشطار أوروبا إلى كتلتين، مختلفتين في أنماطهما السياسية والاقتصادية والأيديولوجية. وكان هناك تنام للنزعة الاستقلالية، لدى فرنسا الديغولية، وتماه تام في السياستين الأمريكية والبريطانية.

أعاقت هذه الحقائق انطلاقة مسيرة الاتحاد الأوروبي، وأخرت إعلان قيام المواطنة الأوروبية، لما يقترب من نصف قرن، تم تجاوزها في النهاية، بالتصميم والإرادة، ووعي قادة أوروبا وشعوبها، لدور الكتل الإنسانية الكبرى في صناعة القوة، بكل تشعباتها.

المشكلات التي تعرضت لها مسيرة الاتحاد الأوروبي، لها ما يماثلها عربيا. فكما أن البون شاسع، بين دول الاتحاد الأوروبي، من حيث الكثافة السكانية والحجم والقوة الاقتصادية، فإنه كذلك بالنسبة للبلدان العربية. فهناك أقطار عربية، يتجاوز تعداد سكانها 80 مليون نسمة، كما في حالة مصر، وبلدان أخرى، لا يتجاوز سكانها المليون نسمة، كما في حالة البحرين وقطر وجزر القمر. وفي الحجوم، هناك دول تقترب في اتساعها من حجم دول أوروبا مجتمعة: السودان قبل أن ينفصل الجنوب طبعا، والسعودية والجزائر. وهناك دول ينطبق عليها وصف المدينة الدولة city state نظرا لصغر حجمها. أما بالنسبة للأوضاع الاقتصادية، فإن ناتج الدخل الوطني للفرد يتجاوز عشرة أضعاف في الدول المنتجة للنفط، عند مقارنته بالدخل الوطني للفرد في بلدان عربية أخرى.

وينسحب ذلك أيضا، على المقارنة في وفرة التعليم والعلاج المجاني، والمستوى العلمي والثقافي، والبنيات التحتية، وتنفيذ خطط التنمية. والفروقات في سياسات الاستيراد والتصدير، وأسعار التعرفة الجمركية.

ولا شك أن لهذه الفروقات انعكاسات موضوعية طاردة على موضوع التكامل الاقتصادي العربي، ما لم تتم معالجتها. ويبقى أن نتناول هذه المعوقات، وطريق الخروج منها، في حديث مقبل، بما يسهم في تعضيد مشروع التكامل الاقتصادي العربي، وتحويله إلى أمر واقع.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية