الأحد, 1 نوفمبر 2026|20 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

تشكل عملية المراجعة الدقيقة والقراءة التحليلية وقياس الأثر لكفاءة وكفاية عناصر العمل التنموي وأدواته - الركيزة الأساس لعملية (التصحيح الذاتي) التي تقوم بها وسائل الإعلام عامة والصحافة على وجه الخصوص لمؤازرة ودعم مؤسسات المجتمع الرسمية والمدنية لإحداث التطوير الإيجابي لحراك اجتماعي أكثر وعيا ومسؤولية تجاه تحقيق أهداف عملية التنمية واستدامتها بالكفاءة التي ينشدها المجتمع، ولعل من أهم محاور هذا التصحيح - القراءة الموضوعية لواقع أداء وكفاءة الإدارة التنفيذية في أي بيئة إدارية، وفي المقابل تفسير واستيعاب الدور الوظيفي الذي يقوم به الإعلام كسلطة رابعة في قراءة وتحليل مخرجات العملية الإدارية المرتبطة بتطلعات وآمال المجتمع بمسؤولية مهنية تضع المصلحة العامة واعتباراتها الوطنية والمجتمعية بعيدا عن أي دوافع ذاتية للقائمين مباشرة على الإدارة التنفيذية، وتلك الدوافع قد تكون أحيانا بعيدة عن المسؤولية المهنية وخارجة عن الأطر المؤسسية وأدبيات الثقافة التنظيمية، وفي المقابل تقع على وسائل الإعلام مسؤولية فرز وتحليل وجدولة محتوى ومضمون هذه الحالات ومصداقيات مصادرها الفردية، فقد يكرس الإعلام ذلك الواقع عندما يضع مقدراته لغير الاعتباريين مهنيا، وقد تكون الصحافة الأكثر أهمية في هذا الشأن؛ نظرا لطبيعة خصائص الوسيلة الإعلامية فيها بالنظر إلى مبدأ (إضفاء الشرعية) التي تمنح مزايا نخبوية لمثل تلك النماذج السلبية، وهي في الغالب نماذج خارجة عن منظومة المعايير المتفق عليها مهنيا في تقييم كفاءة العنصر البشري سواء في الإدارة أو الصحافة، وقد تختلط في مثل هذا الواقع السلبي أوراق التطلعات لمجتمع ينشد التقدم والرقي، وربما تتعطل مفاهيم وثقافة العمل الجاد فتغيّب أحيانا مصادر وأدوات عديدة للشفافية، وقد تقصي كوادر العطاء المنتج والماهر من ذوي الكفاءة والاختصاص، وتصادر أحيانا بعض المبادرات الناجحة فتحل تلك النماذج محل نماذج العطاء والسبب بلا شك أداء وعلاقات غير مهنية وخارجة عن نطاق العمل المؤسسي إن في الإدارة أو الإعلام!

إن من أسوأ الآثار لنتاج هذا الواقع أن ترتفع التطلعات ثم ما تلبث أن تتدنى عندما يغيب الإنجاز أو يعتريه القصور بسبب تدني كفاءة الإدارة التنفيذية، أو حينما لا تتحقق الأهداف بالرؤية المؤسسية المقررة لأي عمل بصورة لا ترضي متخذ القرار ولا تلبي احتياجات المستفيدين من عوائد تلك الأعمال، وفي المقابل وفي حالات متزامنة مع الحالة الإدارية السيئة ينحصر دور الإعلام في متابعات انطباعية غالبا ما تكون لصالح المسؤول التنفيذي وليس للجهاز كمؤسسة اعتبارية عامة أو حتى لشرعية النظم الإدارية، فيصادر في هذا الاتجاه الفكر المؤسسي والإطار المهني الذي يحدد الواجبات والمسؤوليات، ويحدث الفقر المعرفي لوسائل الإعلام وتبدأ اتجاهات الرأي العام بالتحوّل من مشاعر الاحتفاء بالعمل والمنجز إلى الشعور بالحاجة إلى نقد عام لأوجه القصور وتدني الأداء، رغم توجيه كل المقدرات وتوفير جميع الإمكانات المؤسسية لنجاح العمل أحيانا!

إن وسائل الإعلام، والصحافة على وجه الخصوص، في حالات كهذه قد تواجه صعوبات معرفية في تحديد وتصنيف القيم الإدارية الإيجابية التي يمكن أن تعينها على اكتشاف مكامن الخلل وصياغة مستويات النقد الصحافي الموضوعي والبنَّاء وتحديد المحتوى والمضمون الإيجابي للمواد الإعلامية وظيفيا، وهذه محددات رئيسة لكفاءة وفاعلية الإعلام التنموي ودور الصحافة في التنمية تحديدا، فقد نجد على صعيد بعض العناصر غير الفاعلة والمتدنية الأداء التي تدير دفة الأعمال التنفيذية للمشاريع والبرامج التنموية والتطويرية بسبب ضعف أو غياب مسؤولية الإدارة في فرز وانتقاء القدرات المؤهلة والمتخصصة والمسؤولة - تقف وسائل الإعلام والصحافة عاجزة عن التعرف على مصادر الكفاءة وأوجه الكفاية، والقناعة والإقناع بالجدارة، والجزم بالاستحقاق من عدمه عند نقد الإدارة التنفيذية؛ مما يؤثر على كفاءة الرسالة الإعلامية التنموية في مناقشتها لموضوعات الشأن التنموي العام!، فقد يتابع كثيرون ممن ليس لهم علاقة بصناعة الإعلام وليس لهم علاقات تخصيصة أو مهنية بما يطرحون من موضوعات، ولا تتطابق ممارساتهم العملية وخبراتهم التخصصية المتعارف عليها في المجتمع المحلي مع طبيعة ذلك الطرح حتى وإن تكرس تواجدهم وظهورهم في إطار تصنيفات صحافية هي في الغالب غير مؤسسية، وبذلك لن يتمكن المتلقي من التعرف على هوية ومصداقية صاحب الاختصاص والجدارة في الطرح الإعلامي إن كان اقتصاديا أو تنمويا أو اجتماعيا، وكثيرا ما تختلط أشكال العمل الاحترافي في الصحافة، ويصبح الاعتماد على ثقافة المشافهة بتحليلات وتعليقات انطباعية وإنشائية ربما لا تعكس سوى الاتجاهات الذاتية التي لا تمثل أدنى متطلبات الحياد الوظيفي وليس لها علاقة بالولاء المهني أو الانتماء المؤسسي!!؛ لذا من غير المستغرب أن يكتب في الاقتصاد من لا يعرف واقعه أو في التنمية من لا يعرف أدواتها، ومثل ذلك قد يكون في مجالات وحقول عدة، تلك الحيثيات مجتمعة قد تحدث بعض الفوضى في عملية التواصل المعرفي بين الإدارة والصحافة أو الوسيلة وبين الرأي العام من جانب آخر؛ مما يتسبب في ترحيل أو تعطيل فرص الاتصال التنموي الجاد! إنَّ القراءة التحليلية لمتلازمة ذلك الحال المتمثل في كفاءة الممارسات الإدارية وأثر الفعل الإعلامي في عملية (التصحيح الذاتي) التي يمكن أن تقوم بها وسائل الإعلام في إطار مهني يشكّل الصورة الذهنية للإدارة والإعلام معا، وهو تشكيل له أبعاده ودلالاته وأهميته الوظيفية والمعرفية في مسيرة العمل التنموي لأي مجتمع، وتأثيرات تلك الصورة إن سلبا أو إيجابا!، ورغم توسع القراءات العلمية والتحليلية في الدراسات الإدارية والتنموية وتشخيص حالات للممارسات المهنية إن كان على صعيد الإدارة التنفيذية أو الإعلام في تجارب بعض المجتمعات، فإن من المؤكد وجود نماذج وتجارب إيجابية في هذا الشأن، وفي بلادنا تجارب محفزة تعكس الاهتمام بمبدأ المسؤولية الإدارية والوعي بالدور التنموي لوسائل الإعلام، وأهم تلك التجارب نموذج العمل الوطني المستدام للنجاحات الإدارية المتميزة المتمثلة بالإنجازات المتواصلة للإدارة الأمنية، وكذلك إدارة مواسم الحج التي تنفذ بكفاءة واقتدار وتميز، وهي ممارسات تحوي جميع عناصر واختصاصات الإدارة التنفيذية وبسواعد وطنية ناجحة ومن المتوقع أن تكون دافعا للإدارة التنفيذية في بلادنا كلما تزامن ذلك مع تطبيق مبدأ (وضع الرجل المناسب في المكان المناسب) مع وإيقاف ظاهرة تمرير وتسويق بعض الحالات المتدنية وغير المؤهلة من حيث الأداء، وفي المقابل وعلى الصعيد الإعلامي لا يمكن أيضا تغييب ممارسات مهنية جادة ومسؤولة على الساحة الإعلامية المحلية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية