لقد بات موضوع إدارة المعرفة واستثمارها عاملا أساسيا، إن لم يكن العامل الأول، للنجاح بالنسبة للمؤسسات أيا كان الحقل الذي تعمل فيه. فالمعرفة أو المعلومات تشكل اليوم أهم أصول المؤسسة، التي لا بد للمؤسسة من حشدها وتعزيزها وتحديثها باستمرار إن هي أرادت أن تضمن نجاحها واستمرار هذا النجاح. ومن هنا، فإن إدارة المعرفة تكتسب درجة عالية من الأهمية لا تقل عن أهمية المعرفة ذاتها، وبالأخص في المؤسسات والمهن المتخصصة المعتمدة على المعرفة والمعلومة. وتشمل عملية إدارة المعرفة بناء المعرفة والمحافظة عليها وتعزيزها وتجديدها مع التركيز على الاحتفاظ برأس المال الفكري في بيئة مثالية تقوم على المشاركة وتعزيز التعاون على مستوى المؤسسة ككل. لكن من المؤسف أن البعض منا لم يدرك حتى الآن الدور الحيوي لإدارة المعرفة، مع العلم أنها ليست بالمفهوم الجديد، إنما خضعت كغيرها من المفاهيم للتجديد والتحديث مواكبة لمستجدات العصر، بعد أن ظلت تمارس منذ عهود على نطاق محدود كما كان يفعل أصحاب الشركات العائلية في نقل المعرفة الذاتية والمهمة لأبنائهم.
لذا فالمعرفة هي في الواقع كل المعلومات التي يمكن ترجمتها إلى أسس للعمل لإكساب الفرد أو المؤسسة القدرة على القيام بأكبر حجم من العمل بأقصى درجة من الفعالية. وهي القوة الحقيقة للمنشأة والفرد على حد سواء. إن كثيرا من الشركات والمؤسسات لم تدرك بعد أهمية رأس المال البشري وموارد المعرفة. وإذا ما أرادت الشركة أو المؤسسة أن ترفع من مستوى كفاءاتها الأساسية مستقبلا، فلا بد لها من أن تنظر في ما اكتسبته من معرفة وكيف تعاملت مع تلك المعرفة حتى وصلت إلى ما هي عليه في الوقت الحاضر؛ وذلك لكي تخرج باستنتاجات سليمة وتضع الافتراضات الدقيقة بشأن آفاقها المستقبلية. وفي هذا الإطار، لا بد للشركة من إدارة مستنداتها ووثائقها والحرص على تعزيز مواردها المعرفية دون انقطاع إن هي أرادت الاستمرار والنجاح في عالم اليوم المتغير بوتيرة أسرع من أي وقت مضى. فمثلا، من الأمور التي ينبغي أن تعيها المؤسسة أنه إذا ما اضطرت لاستبدال موظف ما، فيجب عليها أن تعيّن موظفا بديلا عنه يتمتع في الحد الأدنى بنفس المستوى من المؤهلات والمهارات والكفاءات وغيرها من المزايا التي كان يتمتع بها الموظف السابق أو أفضل من ذلك. وبالأهمية نفسها، ينبغي على المؤسسة تحفيز موظفيها بتدوين قاعدتهم المعرفية التي تم اكتسابها من خبراتهم العملية وتجاربهم أثناء العمل؛ حتى يتسنى لزملائهم الاستفادة من تلك المعرفة وإلا كانت القاعدة المعرفية للمؤسسة عرضة للاستنزاف.
إن تطبيق مفهوم إدارة المعرفة على كل محاور عمل المؤسسة هو دون شك العامل الأساسي الذي يتيح لها القدرة على تحديد الفرص السانحة في السوق والمبادرة إلى استثمارها في أسرع وقت قبل غيرها من المؤسسات المنافسة. ومن هنا، إذا ما أراد القائمون على الشركة تحقيق قيمة متميزة للمساهمين، فإن عليهم اكتساب المعرفة قبل غيرهم وتوثيق هذه المعرفة وتسخيرها لخدمة أهداف وتطلعات المؤسسة بأقصى درجة من الفعالية. وهنا تضطلع الإدارة بدور حيوي في توفير بيئة عمل مثالية تقوم على مشاركة المعرفة ليس فقط عن طريق تحليل قدرات موظفيها ومستوى إنتاجيتهم، بل وأيضا عن طريق ونقل ما لديهم من المعرفة إلى الموظفين، ومن ثم مراقبة ممارسة هذه المعرفة والاستفادة منها وتعزيزها.
وغني عن القول أن لشخصية المدير دورا مهما في إدارة المعرفة. فالمدير المتسلط مثلا يعيق عملية نشر المعرفة والتبادل الحر لها بسبب الحواجز التي يصطنعها بينه وبين موظفيه، وإن كان من المعروف أن المرء أكثر ميلا إلى الانفتاح والانسجام والمشاركة والاستماع إلى أقرانه، وردة فعله تجاه من يختلفون معه في الرأي أقل بكثير منها تجاه موظفيه. لكن هذه في الواقع ظاهرة غير صحية، وعلى المدير أن يتعامل مع موظفيه بروح الفريق الواحد وعلى قدم المساواة أيا كانت العلاقة أو الفوارق الإدارية فيما بينهم، بعيدا عن مظاهر البيروقراطية والحواجز والتعقيدات.
ومن السمات الفطرية للإنسان أن ينزع إلى حماية رصيده من المعرفة والتكتم بعض الشيء على ما ينفرد في امتلاكه من معلومات مهمة. وهناك من الناس من يخشى ما يسمى ''فقدان القيمة'' إذا شارك معرفته مع الآخرين. ومن المؤسف أن مثل هذا الموقف السلبي وما يرتبط به من تصرفات غير مبررة يشكل إلى حد ما ظاهرة واسعة الانتشار في معظم مجتمعاتنا في منطقة الشرق الأوسط. وبالتالي هو بلا شك من أبرز المعوقات التي تحول دون خلق بيئة عمل مواتية لتنمية المعرفة وتعميمها واستغلالها في التغلب على مشكلات المؤسسة وتحفيز الابتكار وتحسين مستوى الأداء. أما المسؤولية، فلا تنحصر في المعنيين بتحقيق الأرباح، بل إن على كل من يعمل في المؤسسة أن يشارك في خلق المعرفة ونشرها والبحث في كل السبل المعرفية التي تمكّن المؤسسة من تحقيق الأرباح وبلوغ أهدافها المنشودة.
وتشير البحوث إلى أن 50 في المائة من أسباب فشل الشركات يرتبط بسوء إدارة المعرفة. ولكي تحافظ الشركة على نجاحها عليها أن تبذل جهودا مضاعفة من أجل خلق مزايا تنافسية والحد من هدر الموارد بسبب الازدواجية في الجهود وتكرار الأخطاء، وأن تضع في اعتبارها عند الاستعانة بمصادر خارجية أو المشاركة في مشاريع مشتركة أن قسطا كبيرا من قاعدتها المعرفية سيتلاشى، بما في ذلك الخبرات والمهارات اللازمة لوضع استراتيجيات العمل. وإذا كان جمع الموارد المعرفية مهما، فليس أقل أهمية من ذلك كيفية إدارة هذه الموارد.
كذلك على الشركة اليوم أن تنظر إلى نظام إدارة المعرفة لديها بعين الأهمية باعتباره من الأصول التي لا تقل ''قيمة'' عن أصولها المالية. فمن خلال الإدارة السليمة للمعرفة تستطيع الشركة زيادة الوفورات بدرجة كبيرة من جهة ورفع المستويات الإنتاجية لموظفيها من جهة ثانية. وتشير الدراسات في هذا المجال إلى أن غالبية المديرين يحصلون على ثلثي معلوماتهم من خلال موظفيهم، بينما يحصلون على الثلث الباقي من وثائق الشركة. وغني عن القول أن الأصول المادية للشركة عرضة للتناقص، في حين أن الأصول القائمة على المعرفة تزداد مع مرور الوقت. ولذا، من المهم جدا أن يحرص المديرون على التحدث بانفتاح تام مع موظفيهم وباستمرار؛ لضمان تناقل المعرفة بانسياب فيما بين العاملين في الشركة بمختلف مستوياتهم.
المعرفة هي في الأصل حصيلة من البيانات تترجم إلى معلومات. ومن ثم تترجم هذه المعلومات إلى تطبيقات عملية تعود بالمنفعة على صاحبها. وبعبارة أخرى، فإن المعرفة تتضمن تقييم المعلومات وصقلها، ومن ثم تسخيرها في خدمة مصالح الشركة على أفضل وجه ممكن. ولكي تتمكن الشركة من استشراف مستقبلها ووضع تقديراتها المستقبلية بأعلى درجة من الدقة، لا بد لها من إجراء مراجعة فاحصة لأدائها في الماضي، وأن تسبر غور ما لديها من بيانات مسجلة للخروج باستنتاجات دقيقة تبني عليها قرارات مدروسة، إذ لا يمكن للمرء أن ينظر في مستقبله دون معرفة واسعة لماضيه. ومع تشارك المعرفة بين موظفي الشركة دون قيود، فإن الشركة تؤسس لقاعدة اتصال واسعة النطاق تتيح لجميع العاملين فيها إمكانية الاطلاع عن كثب على كل ما يستجد داخليا وخارجيا، الأمر الذي يعني توفير الفرصة لمعالجة المشكلات أولا بأول وفي أقصر فترة من الزمن.
ومن هذا المنظور للمعرفة واستنادا إلى تاريخ تطورها، يمكن القول إن هناك عددا من التطورات في طريقها إلى التبلور في السنوات المقبلة، والتي سيكون للمعرفة دور محوري فيها. وهكذا، فإن على إدارة الشركة أن تشجع على انتشار المعرفة وتبذل كل ما بوسعها لتحفيز الإبداع والتشجيع على التعلم وإزالة أية معوقات تعترض تبادل الموارد المعرفية واستثمار هذه الموارد بأفضل وجه ممكن لخدمة أغراض الشركة. بل ويجب اعتبار إدارة المعرفة جزءا لا يتجزأ من الأنشطة العادية في كل نواحي عمل الشركة، وعلى كل مؤسسة أن تعمل على صياغة آليات فعالة تضمن تناقل المعرفة لتصبح جزءا من رأسمالها الفكري.
أخيرا، ''إننا ندخل اليوم عصر العولمة الذي سيكون فيه بناء المعرفة والقدرة على الاستفادة منها مفتاحا للنجاح. وها هي الحلول المبتكرة تنتشر اليوم في سائر أرجاء العالم بسرعة لم يكن لأحد أن يتصورها قبل 10 - 20 عاما. وينبغي على الشركة أن تنظر إلى هذا التطور باعتباره فرصة يمكن استثمارها وليس مصدر تهديد لنشاطها''.
