إن المتتبع لكثيرٍ من حواراتنا اليومية يلحظ قاسماً مشتركاً لا يكاد يخلو معظم حواراتنا منه، ذلكم هو الاختلاف في الرأي، وهو بلا شك طبيعة إنسانية تشترك فيها كل المجتمعات البشرية بلا استثناء.
والسبب في ذلك عائد لكون أن لكل إنسانٍ خلفية تربوية وثقافية قدِم منها، تفرض بينه وبين طرف الحوار معه اختلافاً في الرأي مبنيا على تلك الخلفية التي قدم منها كل طرف، مما يشكل فجوة بين الرأيين، تزيد هذه الفجوة وتنقص بحسب مساحة الاختلاف بين مرجعيات كل طرف، سواءً كانت تربوية أو ثقافية!
وفي كثير من الأحيان يهدف الحوار إلى التقريب بين وجهات النظر عن طريق تضييق هذه الفجوة، إما بالخروج برأي مشترك أو تحيز أيٍّ من طرفي الحوار نحو قبول رأي الطرف الآخر بالكامل أو خروج كلٍّ من طرفي الحوار بقناعته دون تغيير! وفي الغالب فإن النتيجة الطبيعية لأي حوار موضوعي لا تخرج عن أحد أمرين هما: الاتفاق على رأي بين الرأيين أو قبول رأي أحد الأطراف بالكامل، وليس بالضرورة أن يستمر أحد الأطراف في فرض فكرته حتى يصل إلى هذه النتيجة، لسبب بديهي جداً وهو أن الحوار الموضوعي إذا اتخذ هذا المنهج فإنه سيتحول بشكلٍ تلقائيٍّ إلى جدل، وهذا الأمر بالتحديد هو الخط الرقيق الفاصل بين الحوار الموضوعي والجدل.
وبنظرة فاحصة لكثيرٍ من مواطن الخلاف في المجتمع، فإن المتتبع يستنتج بجلاء أن أحد أهم أسباب الاختلاف في الرأي هو عدم الاتفاق على المفاهيم ببساطة!
وذلك لكون كل طرف من طرفي الحوار يقوم بتعريف المصطلح محل البحث في حوارهما البيني بناءً على خلفيته الثقافية أو التربوية التي لا تكون بالضرورة موافقة لخلفية الطرف الآخر، فيحدث الخلاف كنتيجة طبيعية لهذه الخلفيات المختلفة.
لذا فإن مثل هذه الخلافات يمكن إدارتها عن طريق فهم ما يعنيه كل طرف بالموضوع مدار النقاش، ومن ثم الانطلاق من هذا الفهم المشترك لعرض وجهات النظر والدفاع عنها وتضييق الفجوات محل الخلاف. وهذا الأمر يتطلب الكثير من التدريب والممارسة بداية بفهم النفسيات ومنها الخلفية الثقافية والتربوية، ومروراً بتحديد الهدف من الحوار، وانتهاءً بمعالجة نقاط الخلاف عن طريق الربط بينها وبين نقاط الاتفاق، وعقد المقارنات للوصول إلى القناعة المشتركة لربط الفكرتين.
وبهذه المعالجة الموضوعية للحوارات الدائرة بيننا، يمكن لكلٍ منا الاستفادة من الجوانب الإيجابية للاختلاف في الرأي، والتي من أهمها نقل المعرفة. فبدون الخلاف لا يمكننا اكتساب الخبرات التي لدى الطرف الآخر، فاختلافنا معه يجعله يرغب بشكل صحي أن ينقل لنا فهمه للموضوع النابع من خلفية ثقافية وتربوية مختلفة عن التي نشأنا بها، وهو الأمر الذي يجعلنا نتعاطى بانفتاح متزن وعقلاني وحضاري مع مختلف المشارب الفكرية دون تشنج، فنقبل منها ما ينفعنا بوعي، ونرفض منها ما يضرنا بكل شجاعة!
وفي هذا العصر بالذات فإن التعاطي مع مختلف الحضارات لم يعد خياراً، بل بات واجباً حتمياً تفرضه الظروف المحيطة. إذ لم يعد ممكنا أن نتقدم ونلحق بركب العالم الأول من دون أن تكون لنا هذه القدرة العصرية على الامتصاص والفلترة بوعي وحضارة ورغبة صادقة في التقدم والرقي.
شركة سابك
