يمثل التحول إلى الاقتصاد المعرفي أحد أهم الأسس التي تقوم عليها استراتيجية التنمية الوطنية في المملكة العربية السعودية، وقد تبنت خطط التنمية العامة للدولة عددا من المبادرات الوطنية الكبرى الرامية إلى سرعة تحقيق هذا التحول، وقد صدرت خطة التنمية الوطنية التاسعة لتؤكد الاستمرار في هذا المسار، وتتركز هذه المبادرات في مجملها حول ما يعرف بركائز إطار الاقتصاد المعرفي، وهي الركائز التي سبق أن اقترحها البنك الدولي من خلال برنامجه المسمى "المعرفة للتطوير"، وتشمل أربع ركائز رئيسية هي: البيئة الاقتصادية، الابتكار، التعليم، وتقنية المعلومات والاتصالات.
لتحقيق هدف التحول إلى الاقتصاد المعرفي، تشير نتائج التجارب المميزة في دول مثل كرواتيا، وكوريا الجنوبية، والسلفادور إلى الحاجة إلى تجاوز الكثير من العوائق المرتبطة بتطوير هذه الركائز، ويستدعي ذلك التعامل العميق مع ظروف ومعطيات ومتطلبات المجتمع بخصائصه المحلية التي تتطلب خوض تجربة خاصة لا تتطابق في الغالب مع تجارب مشابهة في مجتمعات أخرى، هذه الخصوصية المحلية تمثل العوامل الحرجة لبناء الاقتصاد المعرفي.
يثير هذا الطرح عددا من التساؤلات عن العوامل الحرجة للاقتصاد المعرفي في المملكة العربية السعودية، هل هي عوامل اقتصادية متأثرة بهيمنة الفوائض المالية المتأتية من البترول على الرغبة في التغيير؟ أو هي عوامل مرتبطة بالإرادة السياسية ومدى الدعم السياسي المتاح لإحداث التغيير المطلوب؟ أو هي عوامل ناتجة من الأبعاد الثقافية للمجتمع المحلي بشكل عام؟ أو من ثقافة المؤسسات الحكومية السائدة؟ أم هي مجرد عوامل متعلقة بقوى مقاومة الإصلاح التي لا تخلو منها مجتمعات الدول النامية بلا استثناء؟ والإجابة عن هذه التساؤلات تتطلب بكل تأكيد إجراء الكثير من الدراسات والأبحاث المتخصصة لتحديد هذه العوامل وتفهم أبعادها وعمقها وتأثيرها في مبادرات بناء المجتمع المعرفي والتحول إلى الاقتصاد المعرفي، ومن المفترض أن الجهات المعنية بتطوير ركائز إطار الاقتصاد المعرفي مثل وزارة الاقتصاد والتخطيط، والهيئة العامة للاستثمار، ووزارة التربية والتعليم، وهيئة الاتصالات وتقنية المعلومات قامت وتقوم بتنفيذ مثل هذه الدراسات والأبحاث باستمرار، وقد أصبح لدى هذه المؤسسات من المعرفة ما يؤهلها للتعامل مع قضايا التحول إلى الاقتصاد المعرفي بكفاءة وفعالية.
لا شك أن المعرفة الناتجة من التجربة الرائدة التي نخوضها منذ سنوات في سعينا للتحول إلى الاقتصاد المعرفي تشكل أصولا معرفية قيّمة، وذات أهمية قصوى لتنفيذ خطط التنمية الوطنية، كما هي ذات قيمة عالية للمجتمع بأفراده ومؤسساته لدعم وتعزيز مشاركتهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
إن الإدارة الفعالة لهذه الثروة المعرفية المتراكمة تتطلب إنشاء مركز وطني يخصص للدراسات والأبحاث المتعلقة بالاقتصاد المعرفي، ويعمل كوعاء لاحتواء المعرفة المتاحة وتوليد المزيد منها ونشرها وتعميم الاستفادة منها، ويأتي ذلك في سياق السياسة الوطنية للعلوم والتقنية التي أقرها مجلس الوزراء في عام 2002 م، ويحقق الأسس الاستراتيجية لهذه السياسة التي تؤكد أهمية البحث العلمي، وتدعو تحديداً إلى الاهتمام بالأبحاث الموجهة لتلبية متطلبات التنمية المستدامة التي يأتي في مقدمتها التحول إلى الاقتصاد المعرفي.
يمثل إنتاج المعرفة وحفظها ونشرها وتعميم الاستفادة منها محور فكرة المجتمع المعرفي وأساس بناء الاقتصاد المعرفي، وإنشاء المركز سيقدم نموذجا لآلية تطبيق وممارسة هذه المبادئ الأساسية لنظرية الاقتصاد المعرفي، وسيكون تجربة يستفيد منها ويقتدي بها الجميع.
