حزنت كثيراً عند حضوري أحد المؤتمرات العلمية التي أقيمت في مركز الملك فهد الثقافي، حيث كان الحضور في إحدى الجلسات (في اليوم الثاني) سبعة فقط، بينما كان عدد المحاضرين خمسة، منهم ثلاثة من كندا وأمريكا!! فكتبت إلى من يهمه الأمر في الجامعة حول ذلك المشهد المخجل والمشوه لطلب العلم والنهضة العلمية التي تعب أكثرنا من التطبيل حولها في إعلامنا!!
أما افتتاح ذلك المؤتمر العلمي فقد كان على شرف معالي وزير التعليم، وبحضور معالي مدير جامعة الملك سعود، لذا فقد امتلأت المدرجات بالحضور، ولكن ما هي إلا نصف ساعة أو أقل بعد انتهاء مراسم الافتتاح، إلا وأصبح معظم الحضور من المدعوين لإلقاء المحاضرات، ولكن ما يلفت الأنظار أنك تجد حضوراً متميزاً عند تقديم وجبات الغداء الفاخرة.
لم أقصد بذكر تلك القصة التندر أو انتقاد أي جهة معينة، بل أردت توضيح درجة العزوف العلمي المزمن في هذا البلد، هذه القصة تتكرر (وللأسف) في أغلبية المؤتمرات التي تقام، لذا ومن أجل الاختصار والفائدة يمكن تلخيص الفرق بين مؤتمراتنا والمؤتمرات في الدول المتقدمة ما يلي:
1- لا توجد مراسم كبيرة لافتتاح المؤتمرات في الدول المتقدمة، لذا فلا يُزعج المسؤولون وولاة الأمر من خارج المؤسسات بالتشرف بافتتاح ذلك المؤتمر وترك ارتباطاتهم من أجل تلك الديباجات غير الضرورية، ولا توضع إعلانات الافتتاح في الصحف التي تدفع لها المبالغ الهائلة، حيث يكون اليوم الأول للتسجيل ومعرفة الصالات، وقد يكون هناك حفل افتتاح لا يحضره إلا نفر محدود، قد يعقبه حفل ترفيهي بسيط، كما قد تكون هنالك محاضرات بعد فترة الظهيرة. أما اليوم الثاني فهو الأكثر ازدحاما.
2- إذا دخلت إلى غرفة المحاضرات بعد دقائق قليلة من بدء الجلسات في المؤتمرات الخارجية فقلما تحصل على مقعد، أما لدينا فالأمر في سعة، فالغرف شبه فارغة، خصوصاً في فترة بعد الظهيرة.
3- أما بخصوص الوجبات الغذائية، فإنه على الرغم من دفع رسوم اشتراك موجعة في المؤتمرات الخارجية، فإنك لا تجد غير الماء فقط الذي يُعطى دون مقابل، لذا يقوم المشاركون ومن حسابهم الخاص بشراء وجباتهم الغذائية، وهذا يسبب انتعاشا اقتصاديا للمنطقة المحيطة، أما لدينا فإن المشاركين يحصلون (إن لم يكن هدفهم الأول) على وجبات الغذاء، حيث يجدون ما طاب ولَذَّ من المأكولات البحرية والبرية والأطباق العالمية، دون مقابل. فعلى سبيل المثال لا الحصر: عُقد منذ شهر مؤتمر طبي في المنطقة الغربية، بلغت تكاليفه 18 مليون ريال من ميزانية الدولة، أما الحضور فقد تركز وللأسف على موائد الطعام. وللمعلومة فإن هذا المبلغ قد يشغل قرابة 1000 موظف أمن وسلامة من الشباب السعودي لمدة سنة!!
4- من الأسباب للحضور أو بالأحرى التسجيل في المؤتمرات لدينا هو الحصول على ساعات تدريب تساعد المشارك على المحافظة على مزاولة المهنة، لذلك ترى بعض المشاركين يسجلون ومن دون التزام بالحضور، حيث إن مواضيع الندوة قد تكون بعيدة عن تخصصهم، والهدف لديهم فقط هو الحصول على شهادات الحضور، أما في المؤتمرات العالمية فإن الحضور والمشاركة في الندوات العلمية هي من أهم الوسائل لتطوير الأبحاث والممارسات المهنية، كما أنها إحدى أهم الوسائل لبناء علاقات بحثية بين الباحثين في المراكز المختلفة.
5- بناء على ما ذكرت فإن قيام المؤتمرات العلمية والالتزام بحضور النقاشات هو نوع من الثقافة، تحتاج إلى صبر والتزام، ويجب ألا تكون ضربا من السياحة والتمتع؛ لأن المشارك يعد ممثلاً للواقع العلمي لبلده، بل هو سفير علمي، وهذا يحتاج منا إلى مراجعة المؤتمرات المقامة لدينا، وإيجاد آلية تضمن حضور المشاركين ذوي الصلة العلمية بموضوع المؤتمر (وحماستهم)، وأن تعكس صورة جيدة عن الواقع العلمي والمعرفي لهذا البلد.
